تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك كثير من المفكرين يعتقدون أن الإسلام قد أتى بروح وضعية علمية، وهذه الروح تتجلى في كثير من مظاهر الإسلام كقوله بالسببية التي أشرنا إليها، وكاستخدامه للاستدلال والاستقراء وقواعد المنطق والعقل عامة التي تتضح في كثير من آيات القرآن مثل قوله تعالى: «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» أو «هل عندكم من علم فتخرجوه لنا». هذا إلى جانب الدلائل أو الآيات التي كان يأتي بها للتدليل على صدق الدعوة التي يدعو إليها.

وتبدو هذه النزعة الوضعية العلمية فيما أورده الإسلام خاصة بالقضاء والقدر، فالقضاء والقدر في الإسلام ليس يعني -كما ظن كثير من الناس والدهماء خطأ- أن الإنسان يتواكل ويترك كل شيء لله، ولكنه يعني «أن كل شيء يسير حسب قضاء وقدر خاصين» أي أن الأمور تسير في المجتمع الإنساني والعالم الطبيعي الفيزيقي وفق قواعد ومقاييس دقيقة وتقديرات معينة لا تتعداها، ولا بد لمن يريد الوصول إلى غاية معينة من أن يسلك سبيلها لكي يصل إليها -وهذا هو الأساس الأول الذي تقوم عليه الدراسات الاجتماعية الحديثة من دراسة للواقع الاجتماعي بقصد اكتشاف القواعد والقوانين التي يخضع لها، كما هي الحال في الدراسات الفزيقية والعلمية كالطبيعة والكيمياء.

وغني عن البيان أن الإسلام أيضا قد أتى بهذه الروح في مجال البحوث العلمية الخاصة بالطبيعيات في مواضع وآيات متعددة كما يتضح مثلا من قوله تعالى: «والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون».

وفي مجال الفكر السياسي أخذ الإسلام بالنظام الديموقراطي (1) بما نادى به من ضرورة (الشورى) والنزول عند رأي الأغلبية، والحرية بجميع أنواعها، ضمن قوانينه المحكمة، كما نادى بمبدأ المساواة السياسية بين الأفراد وإن كان قد سمح بنظام الرق كضرورة اجتماعية بعد أن أوصد معظم مصادره وفتح أبوابا كثيرة للعتق والتحرير، وسوى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات وإن كان قد خص الرجل برئاسة الأسرة ولم يكن ذلك تفضيلا للذكر على الأنثى بل كان لأن الإسلام يسير على نظام الأسرة الأبوية لا الأمية، فلم يكن إذن ثمة تفضيل بدليل أن المرأة تحل محل الرجل في الرئاسة في بعض الظروف التي تحول بينه وبين ممارسة سلطاته. ولعل المسؤولية الكبيرة التي وضعها على كاهل الرجل كرئيس للأسرة هي التي حدت بالمشرع الإسلامي إلى منح الرجل نصيبا أوفر في الميراث في معظم الأحيان.

وفيما يتعلق بالملكية الفردية، فلقد نادى بها الإسلام بصفتها ملكية ذات وظيفة اجتماعية، اذ شرط التمتع بها أن يقوم صاحبها بما تفرضه عليه وتقترن به من أعباء اجتماعية كتأدية الزكاة مثلا وهذا النوع من الملكية هو ما سينادى به كثير من المفكرين الاشتراكيين في العصور الحديثة ولا سيما في القرنين التاسع عشر والعشرين من ضرورة تطبيق الملكية المقيدة أو العدل الاجتماعي أو غيرهما من المسميات المختلفة الدالة على نفس المعنى.

وهكذا نرى أن الإسلام بصفته دينا ودولة، نزل لهداية الناس في دنياهم وآخرتهم قد أتى بنظام شامل لمختلف نواحي الحياة الاجتماعية وكل ما يمت إليها بصلة، ومما لا مجال للجدال فيه أن هذا الدين العظيم قد كان بمثابة مصدر لأفكار اجتماعية رائعة استقاها منه كثير من العلماء والمفكرين في مختلف العصور، كل حسب طاقته وإلى المدى الذي اسعفه عقله لبلوغه.

وتعتبر الحقبة ما بين منتصف القرن السابع حتى أوائل القرن الخامس عشر فترة ازدهار الفكر الاجتماعي الإسلامي وبلوغ هذا الفكر درجة عالية لا تقل عن التي وصل إليها المفكرون الاجتماعيون في العصور الحديثة.

وكان الفتح الأول في هذا الميدان على يد الخلفاء الراشدين، وذلك ببيانهم لموقف الشريعة الإسلامية من النظم الاجتماعية التي كان يجدها المسلمون في البلاد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢١٨