دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 .................. ص 59
الفكر الاجتماعي في العصور الإسلامية
للأستاذ: العربي محمد الزنايدي
إن المتعمق في دراسة ما بين أيدينا من تراثنا الفكري الذي نما في أحضان مبادئ الإسلام الحنيف، يجد نفسه وجها لوجه أمام تلك الأفكار الاجتماعية التي ينادي بها المصلحون اليوم ويطالبون بالتشبث بها وبتطبيقها لإسعاد هذا العالم.
كانت المبادئ التي نادى بها الإسلام والتي وردت على الخصوص في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة مسهمة في الفكر الاجتماعي بقسط كبير.
فالقصص التي يذكرها القرآن، والتي وردت في الأحاديث، والاستنتاجات التي كانت تبنى عليها، تمثل جزءا هاما من علم الاجتماع الوصفي بالنسبة للمجتمعات والعصور التي ذكرت بشأنها.
كما كان لربط القرآن الكريم في معظم القصص والحكم التي ذكرها بين فساد الحال وسوء الخلق أو معصية الأنبياء والرسل، تأكيد للربط في الظواهر الاجتماعية بين السبب والنتيجة أو العلة والمعلول، وبالتالي تأكيد بأن الظواهر الاجتماعية لا تسير فوضى وبدون نظام بل تسير وفق قواعد معينة ... ومن ذلك قوله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» وأمثلة عديدة وردت في قصص آدم ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى وغيرهم.
وشملت الآيات القرآنية تنظيما اجتماعيا شاملا في نواحي الأسرة والاقتصاد والدين والسياسة والقانون ... بل والنواحي الأخلاقية والنفسية والعلمية والفنية. وكانت بهذا سببا في إثارة عدد لا يحصى من الدراسات الاجتماعية التي تناولت هذه النواحي المختلفة وحكمة تنظيمها سواء في العصر الإسلامي الأول أو في العصور اللاحقة.
وكان مبدأ الزكاة الذي يعتبر من المبادئ الرئيسية الخمسة للدين الإسلامي إلى جانب بعض القواعد الاجتماعية والقضائية الأخرى مؤديا إلى ظهور ما نسميه اليوم باسم «البحث الاجتماعي»، فلم تكن الزكاة تعطى بنص الحديث «لكل مدع لفاقه» بل كان ثمة بحوث اجتماعية يقوم بها المعنيون بالأمور للتأكد من أن الشخص الذي يطلب الزكاة يندرج تحت إحدى الطوائف الثمانية التي تنطبق عليها الزكاة، كما كان ثمة كشوف أو بيانات يدون فيها أسماء المستحقين وعددهم.
ولا شك أن الإسلام قد أسس القاعدة الأساسية الأولى في الفكر الاجتماعي الديني بفكرته عن وحدة الإله وهي الوحدانية التي صورها الإسلام في صورة قد لا نجد لها مثيلا بين الفلسفات الدينية المختلفة، فأدى هذا إلى نشأة علوم كثيرة فيما بعد هي من صميم الثقافة الإسلامية، مثل علم التوحيد الذي يسمى علم الكلام أيضا وغيره من العلوم التي خدمت كثيرا من الأفكار الدينية والفلسفية والاجتماعية مثل فكرة العدل الإلهي والعدل الإنساني وفكرة الخير والعلاقة بين الإنسان وربه وبين الإنسان وأخيه الإنسان.
وكان الإسلام عاملا قويا على بعث مبدأ الصيرورة والتغير، فلقد أشار القرآن والحديث في أكثر من موضع إلى الاختلافات بين المجتمعات المختلفة، في اللغات أو الألسنة والألوان والعادات والقوانين ... والإسلام بهذا إنما كان يقضي على النزعات الدقماطية التوكيدية التي لم يكن أصحابها يتصورون وجود نظم تخالف النظم التي عهدوها، ولا شك أن فكرة التغير هذه سيكون لها أثرها في العهد الحديث.