إن النتيجة التي أخلص إليها بعد كل هذا هي أننا متسكعون في حياتنا الأدبية، متسكعون كتابا وقراء، لأننا نقرأ حين نقرأ لملء الفراغ أو قتل الوقت، ما يملأ الفراغ ويقتل الوقت حقا، ولأننا نكتب حين نكتب استجابة للعادة أو إرضاء لغرض ما، وليسمح لي الذين يسمون عن هذا الحكم -كل عادة أو أي غرض ما عدا الاستجابة الفكرية السامية النزيهة أو الوجدانية الصرف، وهب أننا نكتب لنثير مشكلا أو نحاول حقا فإننا لا نفعل حين نفعل إلا لأننا نحترف هذا النوع من الكتابة، ولأنه مما يحب القراء أن يقرءوا، ولأن الكتابة النافقة والصحافة النافقة هي التي يكفيها أن تضع عنوانا تحريريا لامعا أو ثوريا ملتهبا، ثم تقول كل ما تشاء غير التحرير وغير الثورة.
إن الثورة، وأن التطور والتحرير، لا ينبثقان من أقلام معروضة للبيع، ولو أنها تبيع للناس كلاما عن الثورة والتطور والتحرير، ومن ثم فإن أدبا تنتجه هذه الأقلام ليس مما يغير من أحكام الموضوع القائم شيئا، أما قراؤنا -وما أقلهم- فهم يقرأون بالصدفة، أو بالهواية أو بحكم العادة، وتلك هي المراتب التي يرقون فيها تدريجيا: وان كان الذين يقرأون بالعادة أو يدمنون على القراءة لا يتجاوزون الأصابع عندنا، لأن مشاغل الحياة ومباهجها وملاهيها، بل لأن أعداء القراءة كثروا في حضارتنا، وقلما ينجو من شباكهم الأدباء أنفسهم أحرى المستضعفون من القراء، وما دام القراء يعكسون رغباتهم سامية أو مبتذلة على دنيا الكتاب، فإن هؤلاء يسفون معهم تأثرا بالقاعدة الاقتصادية، أما الذين يقرأون بالصدفة فهم لا ينتمون إلى القراء إلا بكونهم قابلين للقراءة عندما تسعى الصحف والمجلات إلى منازلهم أو أيديهم، وأما القراء بالهواية أو بالعادة فأغلبهم لا يتمثلون ما يقرأون، ولا يخصبون عقولهم وقلوبهم بهذه القراءة، وهكذا تتحول قراءة قراء من هذا النوع إلى اجترار وتوظيف آلي، والظاهرة التي تؤيد ذلك -وإن كانت بسيطة في حد ذاتها- هي أننا لا نستجيب للأصداء التي تتردد في عالمنا الأدبي، إلا ما كان من الصحفيين الذين يهتزون بشكل مفتعل لهذه الأصداء والأحداث بحكم مهنتهم، وأنا لا أشك أن كثيرين عندنا يقرءون كثيرا، وان كثيرين أيضا قد تعودوا أن يقرأوا نوعا من الكتاب أو نوعا من الكتابات الأدبية حتى تكون لديهم ما يجب اعتباره سعة اطلاع في هذا الباب أو ذاك، بيد أن السؤال الذي يوضع هنا بقصد اختبار نضج قراءتنا وحرثيتها لذواتنا هو: إلى أي حد يستطيع قارئ طه حسين أن يحدثنا عن طه حسين بشكل ما عميق الفهم، وإلى أي حد يستطيع آخرون رسم تخطيط فكري للعقاد أو توفيق الحكيم في آرائهما وفلسفتهما في الحياة؟ وإذا صح أن هناك أشخاصا يستطيعون هذا النحو من التجاوب والتفاعل مع كتابهم فما يحبسهم عنا نحن القراء؟.
إنني لا أكاد أشك في فراغنا الأدبي الناتج عن اجتواء طاقتنا الأدبية، فلا نحن نعبر عن ذواتنا، ولا نحن نتجاوب مع الأصداء المنطلقة عن الذواب الأخرى، لا نحن نكتب، ولا نحن نقرأ على النحو الذي نريد، وإنني لا أكاد أشك أيضا في أننا متسكعون في حياتنا الأدبية، وواهمون بأننا متجهون لهدف ما، ولا أشك مطلقا في أن سبب ذلك يرجع إلى أسباب كثيرة غير التي المعت إليها، أو شرحتها، بيد أن انعدام الإيمان بوظيفة ما للأدب في حياتنا، وانعدام مفاهيم وقيم خلاقة للأدب مشاعة في صدور تلك الطائفة القليلة من أدبائنا، وانعدام المستوى الثقافي اللازم للتصادي مع العالم الخارجي يكاد كل هذا القحط يسيج ذواتنا، ويعزلنا عن الحياة الأدبية، ويجثم علينا بمناخ صحراوي جذب.
وكل الذي يجب أن يقوله مؤمن برسالة الكلمة في مثل هذا المناخ العقيم هو الدعوة إلى الإنقاذ.