واقعنا الأدبي على النحو الذي عليه الآن، وبين ظهرانينا اليوم الكاتب الذي ما زال على تراث القاضي الفاضل يسحب وجدانه وتفكيره، والذي حلق في طفرة غير واعية إلى رومانتكية اهترأت قيمها الشكلية ولم يبق له منها إلا عبارات وألفاظ هي في حكم اطلال الشعر القديم، وعندنا ذلك الشاعر الذي يزخر رأسه بأصداء الشعر الحر في المشرق فيهذر بها عن غير وعي ولاية تجربة تستدعي صورة تلقائيا، وذلك الذي ما زال يغرف من بحر وينحت من صخر، خاضعا في مفهومه لهذا المقياس الذي يجب أن يسكن صاحبه «أطلال برقة ثهمد».
على الكاتب أو الشاعر أو القصاص عندنا أن يتمثل القيم الأدبية الجديدة، ويستوعب الشروط الفنية التي تجلى تجربته في شكل فني، فإذا لم يفعل تاه في ذاته، وبالتالي إذا لم يجب كاتبنا وشاعرنا أمامه الأبعاد الفنية، والأبعاد الواقعية التي يصرف إليها خياله وشعوره فسيظل هائما، وسيظل ضالا، وسيظل شاعرا وكاتبا في داخل سديمه، أو في حاجاته الضيقة، وهواياته الفردية، وهنا تتجلى خطورة رسالة النقد عندنا -وهي لحد الآن مجهولة- ان على النقد عندنا أن يتحسس مواهبنا الأدبية الكامنة وينعش براعمها من ناحية، وإلا يترك هذه المواهب طليقة من ناحية أخرى لا تعرف الأبعاد الحقيقية لرسالتها فتنمو كالعليق غير هادفة تاصيل ذاتها أو توظيف ذاتها.
إن النقد عندنا لا يزيد عن كونه تعليقات صحفية تخدم الغرض والعاطفة، ولا تنزع عن ثقافة أو تذوق أصيل، وما دام الأمر كذلك فهو تسميم أو تزييف، وكلاهما يعمل على كبت الأصوات الحقيقية للفكر والعاطفة.
إن الانطلاق الذي ننشده في حياتنا الأدبية يعتمد حتما على التسليم بقيم سائدة، وتحديد أبعاد واقعية للكفاح الإنساني يستطيع الكاتب والشاعر فيها أن يحدد واجهته، ويحتضن جزءا من رسالة الإنسان في ذلك الكفاح، وهنا أعود بإلحاح لأسأل: هل عندنا هذه القيم، هل حددنا أبعاد نضالنا الإنساني، هل عرف الفكر والوجدان عندنا واجهتهما من المعركة التي نخوضها جميعا، وهل عندنا تقييم أدبي، أو نقد أدبي يلح على طاقتنا الأدبية أن تلتزم رسالتها، ويحثها في طريقها، بل بالأحرى هل عندنا مفهوم ما للأدب؟؟
سيقول قائل: إن هذا الكلام لا يخلو من الغلو في التحامل على أدبنا، أو من التحذلق أحيانا، بل لا يخلو من تحكم في حرية الأديب، هذه الحرية الغالية التي ترفض كل ما يخرج عن نطاق طبيعتها، وماذا يبقى للأديب من حرية بعد أن نتحكم في اتجاهه، وفي انطلاق موهبته، وفي القيم التي يؤمن بها، وفي القوالب والأشكال التي يختارها لتجاربه؟ وأنا سأوافق هذا القائل في زعمه إذا كنت لا أبتغي من وراء الحياة الأدبية كهذا القائل سوى كتابة ترهق القارئ وترهق المستمع، وترهق قبلهما رجال المطابع والناشرين، بل سأذهب أبعد من ذلك إلى القول بأنها ترهق كاتبيها قبل هؤلاء جميعا، أعني أدبا متسكعا زائفا، أدبا يتراكم في طريق القراء على مر الزمان ولا يفتح لنا طريقا جديدة في توعيتنا مشاكلنا على الصعيد الإنساني، مثلما يفعل العلم حين يفتح طرقه الجديدة في الفضاء، وفي الطبيعة، وفي القوى البشرية، ان قضية الأدب في هذا المنعرج الخطير من حضارتنا بالقياس إلى الصعيد العالمي كله توشك أن تفضي إلى اعتبار خطير على الأدب نفسه، وهذا الاعتبار هو طرح رسالة الأدب وراء اهتماماتنا الثقافية باعتبار أنه سخافة تتحدث عن أمراض الوجدان، انني انذر هنا أولئك الذين ما زالوا يحترمون الأجداث والجثث المحنطة تاركين الزمن يتخطاهم فلا يبنون لأنفسهم وللأحياء صروحا عتيدة، ولكنهم يفعلون كالأطفال إذا وصفوا بغير ما يشتهون، وأن كتابا كثيرين يجيدون فن الكتابة، ويحترفون التعبير عن شهوات الجماهير ودغدغة غرائزها، ان هؤلاء جميعا لا يغيرون طبيعة المشكل كثروا أم قلوا، بل ربما كانوا يسيئون إلى وظيفة الأدب من ناحية، ويسيئون إلى الجماهير في صرفها عن الحقيقة الاجتماعية والإنسانية في النضال القائم، من أجل ذلك فإني أؤكد أن الأدب الذي أريد والذي ينبغي أن يكون موازيا لانتصاراتنا الإنسانية هو الأدب الحق الذي يحقق مضمون الثورة والتطور، ويخدم القيم الإنسانية، ويلتزم الصياغة الجمالية، وهو الأدب الذي سيظل إلى جانب العلم موازيا لتطورنا، صاعدا بدواتنا، متساميا بوجداننا كاشفا كياننا لأنفسنا.
أما ما يعرفه الناس حتى اليوم عن الأدب، وعن أنه صناعة الكلام، أو فن التعبير فقط، فقد تخطاه الزمان إلى أن الأدب مضمون إنساني كبير يوائم بين الإنسان وعالم المثل بطريقته الخاصة، وسيظل الأدب كذلك ما نبض القلب بحب، وهام الفكر بمثل، وصلى العقل في محراب حقيقة.