وهذه أجيالنا يشد بعضها إلى عمدة ابن رشيق، والمقدمة، وبعضها إلى التآليف المدرسية الحديثة وبعضها الآخر إلى المذاهب النقدية الحديثة، وبعضها إلى التشكيك في كل شيء، فأي مدلول سيخصب عقولنا، ويكهرب بلفح صدقه قلوبنا، ان أصحاب الأدب الرجعي عندنا لا يعلمون شيئا ولا يريدون أن يعلموا أن هناك مفاهيم جديدة استلزمتها تطورات الحياة، وتطور وظائف العلم والفن والأدب في واقع المجتمعات، وأن هذه المفاهيم تنطلق اليوم من ثورات علمية واقتصادية بعيدة كل البعد عن جثث الأدب القديم المحنط، الذي لا وظيفة، لمعظمه إلا اغناء المعاجم، وشواهد الاستعارة والمجاز، والجناس والطباق، ومختلف ضروب الفن الشكلي للقرون الوسطى.
وسيزعم زاعم أن اختلاف مفاهيم الأدب شيء شائع حتى في أوربا، والواقع أن اختلاف مفاهيم الأدب في أوربا ينطوي على مغزى آخر، فإذا كان هذا الاختلاف يعني في بيئة أخرى أنه مظهر لتطورها المستمر وأخذها بمختلف تيارات الفكر الإنساني، فإنه في بلادنا لا يعني أكثر من اضطراب وارتباك شكليين، مصدرهما تعدد ينابيع ثقافتنا، وتناقص مقوماتها بين شرقية وغربية، وسطحية اتجاهاتها بصفة عامة، فلنبحث إذن عن مفهوم حقيقي أو على الأقل واضح للأدب قبل أن نبحث عما يمكن أن نسميه أدبا، وأنا لا ازعم للقراء أن من شروط وجود حياة أدبية خصبة أن يتداول الناس تعاريف للأدب في مختلف أشكاله، ولا أن يتفق الأدباء حول تعريف أو تحديد ما لمهمة الأدب شكلا ومضمونا، كما يمكن ذلك في النطاق العلمي، ذلك أن الأدب هو البحث المتطور عن مفهوم متجدد من ناحية، وهو إعلاء هذه المفاهيم الحية الآتية بإعلاء غاياته من ناحية أخرى، بل لعل الأدب هو ذلك التوقان الدائم إلى الخروج عن إطارات التحديد والتعريف، وبالرغم من ذلك فلا بد له أن يخضع لمفهوم تجيش به الحياة في حقبة من الحقب وتنصهر فيه إبداعات تحتفظ لذاتها بالفروق الفردية في اللقطات الحسية، والمنحنيات الموضوعية، ولا ضير على الأدب والأدباء من أن ينقلب هذا المفهوم بعد ذلك وأن يتطور ما دام قد استجاب لحاجات الذين عاشوه، وصدروا عنه في فترة من الفترات، بل أن الضير كله ألا ينقلب من المفهوم ولا يتطور مسايرا الانقلابات والتطورات الدائبة في واقع المجتمعات والأفراد.
إن الذي أريده مبدئيا توحيد مضمون هذه الكلمة في مفهوم يغثون هذه الحقبة، ويصوغ إنتاجها تحت شعار جديد، ليكن الالتزام أو ليكن الفن لذاته، أو ليكن الفن للحياة، ليكن ما يقتضيه واقعنا أن يكون، فمن أين لنا بهذا المفهوم، هل نستورد أفكارا ومفاهيم، أو أننا بالفعل يجب ألا نستورد هذه الآراء والمفاهيم فكلا الفعلين في حد ذاتهما يعكسان موتنا الأدبي، وإنما الذي يجوز أن نستورد لنطالع، ونتمثل، ونقيس، ونحتكم إلى واقعنا وأهدافنا ومنطق التطور ومعنى ذلك في سياق الفعل أن تكون لنا حياة أدبية، أو ثورة تضمن لنا الوصول إلى ذلك المفهوم، وهذه الحياة الأدبية ليست لغزا أو مشروعا اقتصاديا، أو مخططا فلسفيا، وإنما هو أن نتلاقح والتراث العالمي دون تحرج، وأن نتمثل ما نقرأ ونسمع، وأن نقيس، ونحتكم إلى واقعنا والتطور الذي نريده، وعندما نقول كلمة ما في هذا الصميم، عندما يتحدث لنا الروائي والفنان والشاعر والكاتب عن ذلك في أشكال مختلفة سنعطي للمفهوم الذي ننشده مضمونه الواقعي في دنيا الإنتاج، أن هذا المفهوم وذلك المضمون لا يتمان نتيجة طفرة أدبية أو عبقرية حتى ولو كانت فذة، لأن المفهوم الأدبي ومضمونه نسبيان دائما، ومن ثم كان لا بد أن ينبثقا عن تصميم جماعة مفكرة يستهدف القلم والفكر عندها توظيف إنتاجها في إغناء جيلها بإنتاج واع صادق مشع بالجمال، وسوف لا أتمكن الآن من إبداء رأيي في المفهوم الأدبي الذي ينبغي أن نحقق مضمونه في أدبنا، ولكني سأرجيء ذلك إلى مناسبة أخرى.
إننا حين نريد إنتاجا أدبيا لا نعدو اننا نطالب من أدبائنا إنتاجا منوعا بين قصص ومقالات وقصائد ومسرحيات -إذا شئنا أن نقنع بالمفهوم السطحي في الإنتاج الأدبي- وهنا سأكون قد غالبت جدا حين ظهرت بمظهر من يحرص على توفير مجموعة من القواعد الشكلية أو الموضوعية قبل الإنتاج ذاته، والواقع، أننا نشكو فقرا في مادة الإنتاج قبل أن نشكو فقرا في مادة النقد والقيم الأدبية، وأنا أعتقد زيادة على ذلك أن إنتاج الأديب لا يتوقف على إلمامه أو معرفته بهذه القيم والقواعد الموضوعية، بيد أن تجاهل هذه العلاقة إلى حد بعيد، بل أن تجاهلها ولو على نحو يسير يجعل من الإنتاج ميدانا للإنشاء تختلف قيمه وتتضارب، وينزع فيه كل كاتب إلى المقومات الشكلية أو المضمونية التي يصدر عنها في تكوينه، ويصبح