تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأدبية التي يقوم نسغها على بلورة قضايا الحياة الإنسانية، ويقوم مضمونها على استقرار أو إقرار مفاهيم لهذه القضايا، ويقوم شكلها على اعتبارات جمالية وفنية آخذة بالتجديد والتطور، هذه المفاهيم عندنا لا يدري الباحثون عنها اليوم شيئا، أو لا يدرون عن قيمتها وخطرها شيئا.

إننا نفكر ونحيا خارج المناهج العلمية، وخارج الآفاق الفلسفية، أي خارج عصرنا كله، لا لأننا نتجاهل هذا كله، أو لأننا يئسنا من نتائج المذاهب الموضوعية، بل لأننا نجهلها من ناحية، ولأننا ننشد الراحة من ناحية ثانية، راحة البحث حين نبحث، وراحة الكشف حين نحاول أن نكشف، إننا نريد راحة، وتؤثرها على الشعب حتى في استعمال الفكر، وما ظنك بأناس يؤثرون كسل الحياة على متاعب العمل والتفاعل مع الحياة، لذا كان من الحتم أن نتناول قضية المفاهيم المتداولة عندنا أدبيا ونحن بصدد بحث عقمنا الأدبي من بعض الوجوه.

وأول مفهوم مضطرب عندنا مفهوم الحياة الأدبية، فهو لا يصدق عندنا على وجه معين من أوجه النشاط الفكري، فهل نريد بهذه الحياة أن تثار عندنا قضية أو عدة قضايا فكرية يناقشها الناس، أم نريد حركة صحفية متصلة تملأ الصحف وتشغل رجال الطبع والنشر، حركة يتاح لنا من خلالها مطالعة إنتاج مغربي مهما يكن نوعه وقيمته، أم ترانا نستهدف بهذه الحياة أدبا في مستوى الاصطلاح الذي تتداوله الدراسات النقدية الأدبية أعني أدبا مستوي الخلق، أدبا واعيا لذاته، لا يتعتع حين يحدث عنا، ولا يوارب حين يكشف لأنفسنا عن أنفسنا، ولا يتخاذل حين ننظر إليه النظرة التقييمية الفاحصة، أدبا يزخر بالأصالة والقوة، ويجرف كل ما تراكم فوق انسانيتنا من صدا وعفن، وكل ما ران على قلوبنا من ظلال الارتباك والجبن، وبالتالي أدبا كفكرنا عزما وتوقانا؟؟

ويبدو لي أننا لا نقصد شيئا من هذا القبيل، وكأني بقائل يقول: وما لنا ولهذا التعقيد؟ اننا نريد حياة أدبية تشغلنا، تملأ سمع السامع، وبصر القارئ، وقاطع المتحلى، نريد هذه البضاعة المسماة الأدب، كما لغيرنا منها، لنؤلف حياتنا تأليفا متكاملا، فيه ما يؤكل وما يسمع وما يقرأ، وما يثار من أجله، وما يعبث به، وما يملأ الفراغ ويقتل الوقت من كل لون وصنف تجد الحضارة في تقديمه للناس.

نريد فقط أن نستوفي حظنا من كل شيء، وجدنا الناس يستوفون حظوظهم منه، وهكذا فلن يكون استهلاك الأدب عندنا أبعد قيمة من استهلاك الطماطم، ولن يكون تذوقنا الفني أكثر اهتزازا من تذوقنا الصور المتحركة، وقس على ذلك قضية العلم والأخلاق، وكل القيم، إن فئة قليلة تظل يحرقها الشوق إلى الأمثل من كل شيء، والحقيقي من كل شيء، وتظل مشكلة الأدب عندها في إطار الإشكال العام للحياة ولقضية الفكر، وليس من الحق أن يزعم زاعم أن قضيتها قضية العامة ... ؟

واضح أننا لا نقصد مفهوما ما للأدب، فيما نحن نحرص أن يكون لنا أدب، ونلح على كتابنا أن ينتجوا أدبا، لا نقصد مفهوما قديما ولا حديثا للأدب، وهذا ثاني المفاهيم المضطربة عندها، إن السبب في ذلك هو أننا لم نتمكن بعد كتابا وقراء من تحديد مفهوم للأدب في سياق التطور الذي نعيشه، واستجابة للتطور الذي نمارسه، وينبغي أن ألاحظ بهذه المناسبة أننا لم نساهم حتى في خلق هذه المفاهيم التي نتبناها اليوم. هذه المفاهيم التي استوردناها من الخارج، وتلك احدى ظاهرات شللنا الفكري، وإذا كان الكتاب الشرقيون يشكون قضية الاستيراد الفكري اليوم، فماذا نقول نحن الذين نستورد منهم أحيانا، ألسنا من فصائل الإنسان المجتر؟

إن أدباءنا -إن كان لنا أدباء- مختلفون جميعا في فهم قضية الأدب اختلافهم في أذواقهم ومشاربهم الثقافية، مختلفون لأنهم متباينون في أسلوب قراءتهم، ومختلفون لأنهم متباينون في نوع ما يقرأون، ومختلفون ثالثة الاثافى، في مناهجهم التي تخرجوا عنها في دراستهم للأدب كاختلاف الصدف التي عملت على توجيه كل منهم في هذا الميدان، وأقول الصدف، لأنني أعلم أن تكويننا الأدبي في هذه البلاد كان محض صدفة كسائر وجوه نشاطنا المادي تقريبا، ولهذا فمحاصيل هذه الصدف كبيادر ألف تربة، لا ينبت زرعها غير ألف لون ولو في أتلام واحدة.

كان أحدنا يتلقى من دراسات الأدب ما يراه الآخر غريبا مغرقا في الغرابة، ويتلقى بعضنا من شؤون الأدب ما يجده البعض الآخر متطرفا موغلا في التطرف، وهذا مدلول لفظ الأدب يكفي للدلالة على ذلك، فبين المفهوم الذي يتلقاه الطالب عندنا في الجامعة وبين المفهوم الصاعد ألف بون.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢١٣