تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 .................. ص 54

قضية الأدب عندنا

للأستاذ: محمد الكتاني

لا غنى للباحث في أسباب عقمنا الأدبي عن أن يتجه في بحثه اتجاهات مختلفة، وأحيانا متباينة، وقد تكون هذه الاتجاهات بالقياس إلى عدة باحثين مختلفة شديدة الاختلاف، متباينة شديدة التباين، نتيجة للمنطق الذي يسير عليه كل باحث، أو قل بالأحرى، نتيجة أو تبعا للمنحى النفسي لكل باحث، ولذلك اختلفت طرائق هذا البحث عندنا اختلافا بعيدا، وانطلق الناس فيه قددا شتى، وخضعوا لمستويات متفاوتة، بيد أنه على تنوعه، وغنى أسبابه لم يتصل بالظواهر الاجتماعية والنفسية التي نعيش فيها، فهذا العقم الأدبي كما نسميه لايمت إلى سبب واحد، أو عدة أسباب مما تعارف عليه الباحثون في شؤون الأدب، وما يعتوره من حالات الجمود والعقم، أو يهزه من عوامل الثورة والتجدد، لأن تلك الأسباب التي اصطلح عليها النقاد والباحثون في هذا الميدان تكان تكون عامة، تنطبق على عدد من البيئات ولا تنطبق على واحدة منها بالذات، والواقع أن لكل شعب قضاياه وظواهره الخاصة، وهي التي تميزه عن باقي الشعوب في جميع مجالات نشاطه، وهكذا يكون العقم الأدبي عندنا- وهو ظاهرة لا شك فيها- متصلا بواقعنا الاجتماعي والنفسي من ناحية، ومتصلا بوضعنا الثقافي من ناحية أخرى، وكلاهما عندنا امتداد لأحوال وأسباب تتصل بالسياسة والتاريخ الذي نعيشه والذي عشناه مع ما يسوده من قيم ومثل خاصة، ولا بد للباحث عندنا إذا ما أراد محاولة واعية في بحث قضية الأدب عندنا من أن يلج كل باب، وأن يستجلي كل سبب ويمحص كل اتجاه ليخلص إلى النتائج التي يمكن وصفها بأنها موضوعية، وأنها جدية.

ولن نستطيع أن نقف على حقيقة الوضع الذي يتخبط فيه أدبنا، إلا إذا استطعنا أن نقف على حقيقة أنفسنا في معتركها الفكري والمادي، وأن نقف بالذات على مختلف مقومات هذه الحياة، ما كان منها يدعو للخلق والتطور، وما كان منها يشدنا إلى العقم والاجتواء.

وأولى المشاكل في هذا الباب مشكلة المفاهيم عندنا، وأنا لا أتجاهل هذه المفاهيم الغريبة ولا ادع سبيلا يذكرني بها كل حين، لأفسر على ضوئها الأحداث المتعاقبة، والظواهر العابرة، ذلك لأن هذه المفاهيم المادية والمعنوية هي في الواقع التصاميم التي تجتمع إليها خيوط الظاهرة الأدبية على أي صعيد وضعت، وتفسر لنا ولو إلى حد يسير ذلك الفراغ المهول الذي يسود عالمنا الأدبي.

ونحن نعلم أن هناك مفاهيم متضاربة في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأن هناك مفاهيم متناقضة في شؤون الفكر والعلم والفن، وأخرى متلاحية، أو متعادية في شؤون الدين والأخلاق، ونعلم أيضا أن هذه المفاهيم تختمر في عقلية أجيالنا، وترتمي ظلالها علا حاضرنا ومستقبلنا، فتشدنا إلى الشك والفوضى، وتجعل بعضنا عدوا للبعض، ولكن هي أشبه بالقول: انها تفرق بين المرء وزوجه، وآية ذلك عندنا أننا نتميز اليوم بفترة من الشك والارتباك يقذفنا بعيدا عن صميمة الوضع إلى هوامش الأحداث فنظل نتجتر فيها الأقاويل، ونظل نحوك حولها وحول أنفسنا عناكب واهية، تلك هي مشكلة اضطراب مفاهيمنا كلها في شؤون الفكر والحياة، وحظ الأدب، والحياة الأدبية عندنا من ذلك غير يسير، فالمفاهيم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢١٢