دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 .................. ص 49
اتجاهات جديدة في التعليم الثانوي
للأستاذ: محمد العربي الخطابي
مما لا شك فيه أن التقدم الكبير الذي سجلته الأعوام الأخيرة في ميادين العلم والتكنولوجيا، وتنافس الأمم الكبرى في هذا السبيل، قد أحدثا أثرا عميقا في مجالات الحياة والثقافة المتشعبة، وعملا على تغيير كثير من القيم والأساليب، ولم يسلم ميدان التربية والتعليم -بطبيعة الحال- من هذا التغيير، ويمكننا أن نذهب بعيدا فنقول أنه قد حدثت ثورة حقيقية في هذا المجال اجتاحت الدول الغربية، فأخذت بسبب ذلك، تستجمع قواها وتعيد النظر في أساليب التعليم ومناهج الدراسة وطرائق التربية وأهدافها.
وسأبسط في هذا المقال وجها من أوجه هذه الثورة الحادثة في ميدان التربية والتعليم، وهي ثورة هدفها التعليم الثانوي: طرقه ومناهجه وغاياته.
في ربيع سنة 1958 عقد بضاحية (سيقر) الباريسية مؤتمر أوربي تحت رعاية اليونسكو، تدارس فيه المجتمعون حالة التعليم الثانوي في العالم المعاصر، واتفق معظمهم في النهاية على أن مناهج الدراسة الثانوية وأنظمتها الحالية لا ترضي حاجات العصر في المجالات الاقصادية والسياسية والثقافية والفنية، وأوصى هذا المؤتمر بإعادة تنظيم التعليم الثانوي على أساس جديد.
وقد حصر الأستاذ (مونيير) (1) العوامل الجوهرية التي توجب تغيير أنظمة ومناهج الدراسة الثانوية في النقط التي ألخصها فيما يلي:
أولا: الثورة العلمية والتقنية، وما تحدثه من أثر في التفكير وطريقة المعاش.
ثانيا: الثورة الديمقراطية التي تجعل جميع الناس، من حيث المبدأ، سواسية مسؤولين أكفاء لفهم المشاكل القومية والدولية الحاضرة وإبداء الرأي فيها، واتخاذ موقف فردي إزاءها.
ثالثا: اتصال العالم نتيجة لأنظمة المواصلات التي لا تزداد إلا تحسنا، مما يفرض على جميع الأمم الحاجة إلى اكتساب معلومات أوسع بعضها عن بعض، وإلى تعليم يتجه نحو تفاهم مشترك.
رابعا: وصول عامة الجماهير إلى ممارسة مهام ومسؤوليات كانت، إلى مدة قريبة، وقفا على أقلية من الناس.
خامسا: تضاعف عدد الطلاب الذين يتابعون مختلف أنواع الدراسات فوق مستوى التعليم الابتدائي.
سادسا: تعقد الحياة وتواصل الإنتاج.
سابعا: تعدد وتشعب المهام والأعمال التي يتعين على التعليم الثانوي أن يعد لها طلابه. وكان في الماضي يقتصر اقتصارا يكاد يكون كليا على إعدادهم للمهن الحرة والثقافة الفكرية المحضة.
ثامنا: الحاجة المتزايدة إلى التخصص في شتى فروع العلم والتقنية.
تاسعا: مساهمة بعض العلوم الجديدة في التعليم نفسه، مثل: علم النفس، وعلم الاجتماع، والبحوث التربوية.
(1) M.Monnier من مقال مجلة التعليم الثانوي في سويسرا Gymnasian et Helveticum 1958 وقد اعتمدته في كتابه هذا المقال.