محمد الخامس هو في المغرب مربي الجماهير ومربي النخبة. مربي الشعب ومربي الزعماء. مربي الحاكم ومربي المحكوم. مربي الفرد ومربي الجماعة، وهو أكثر من ذلك مربي اليوم ومربي الغد. اجتمع فيه فيه في تناسق وانسجام بنسب متعادلة ما لم يجتمع في غيره، فهو ثائر ومتطور، وهو محافظ ومتحرر، وهو متدين ومتحضر، يلتقي عند قلبه وفي فكره الشرق والغرب، والروح والمادة، دون أي تناقض أو اضطراب، وهو فوق ذلك إنساني كبير، يثق بالإنسان، ويؤمن بالإنسانية، ويفكر في مصير الحضارة والمدنية تفكير الذين ساهموا في خلقها وبنائها، وإقامة دعائمها على وجه الأرض، فهو سليل سلالة عريقة لها في سجل الحضارة مقام مرموق.
محمد الخامس أكبر مرب مغربي، فقد وسع توجيهه ووسعت تربيته جميع مناحي الحياة المغربية، الروحية والفكرية والمادية، ما من منحى في هذه الحياة أو تناوله بالرأي السديد، وعالجه بالتوجيه الرشيد، وأمده بنور كشاف ما عليه من مزيد.
خاطب المدنيين كما خاطب العسكريين، وخاطب الحضريين كما خاطب القرويين، وخاطب المثقفين كما خاطب الأميين، وخاطب الأغنياء كما خاطب الفقراء، وخاطب العمال كما خاطب رجال الأعمال، وخاطب الرؤساء كما خاطب المرؤوسين، وخاطب الشباب كما خاطب الشيوخ، وخاطب الرجال كما خاطب النساء. له في كل ميدان جولة، وله في كل مشكلة موقف، وله في كل موضوع كلمة، ولكنها كلمة بريئة كل البراءة من اللفظ النابي والرأي الفطير، وليست كلمته مطبوعة بطابع التطرف، ولا طابع التردد، ولا طابع الارتجال، ولا طابع الهوى والغرض.
محمد الخامس في كل جولاته ومواقفه وكلماته مثال الزعيم الروحي والحاكم (المربي) الذي يدعو إلى مبدئه بالحكمة والموعظة الحسنة، واللهجة الصادقة، والقول الثابت، والذي يتخذ من سيرته وحاله، أكبر ظهير مؤيد لمقاله، اذ هو في سلوكه الخاص والعام، وفي حياته الداخلية والخاجية، صورة صادقة طبق الأصل للمبادئ الثابتة والخالدة التي ينادي بها، ويدعو إليها منذ أكثر من ربع قرن.
وهذا الصدق مع نفسه ومع الناس، وهذا الإخلاص المهيمن على كيانه، والمنبثق من عميق إيمانه، مما مكن حبه في قلوب شعبه، ورفع مكانته في قلوب عارفيه جميعا من كافة الشعوب، وجعل كلمته الممتازة بالبساطة والطهر كلمة مقدسة، ذات مفعول سحري، وتأثير سريع عميق، لا في الجماهير الشعبية وحدها، ولكن حتى في نخبة النخبة من رجال الفكر والقلم، داخل المغرب وخارجه، فهو لا يتكلم بروح التكلف والجدل، ولا يلجأ إلى المغالطة والسفسطة، ولا يتوسل إلا الأسماع والقلوب بما يتوسل به عادة «محترفو السياسة» الذين كثيرا ما يخادعون الشعوب.
إن محاولة تحليل فلسفة محمد الخامس وتوضيح المبادئ التي قامت على أساسها تربيته الشعبية، النظرية والعملية، في ضوء أحاديثه وخطته وتعليقاته ومواقفه، لأمر فوق الطاقة في هذه العجالة القصيرة المحدودة زمانا ومكانا. غير أن المحور الذي تدور حوله (التربية المحمدية) كان وما يزال هو العلم والعمل، والإخلاص والاستقامة، والكفاح والثبات والعزة والكرامة، والعدل والإحسان، والتعاون والتسامح، والإخاء والوحدة، والأمن والنظام، وخدمة الصالح العام، وتحقيق الوئام والسلام.
على أن شعب المغرب لا يزال يسرع في الخطى لاهثا، ليلحق ركب زعيمه الروحي ومربيه الأعظم. اذ لم يقف بعد على رجليه وقفة راسخة متمكنة، يستطيع أن يساير بها خطوات محمد الخامس الواسعة، ووثباته السريعة، خطوة خطوة، ووثبة وثبة. فقد رزق قائدا روحيا فريدا، وزعيما عبقريا، يتمتع بطاقة روحية وفكرية هائلة هي أكبر منه بكثير.
ومهما يكن من أمر، فسوف تدرك الأجيال المغربية القادمة لا محالة مدى رسالته الكبرى إلى هذا الشعب، وتحقق مفاهيمها الصحيحة على الوجه الأكمل، الذي يرضيها ويرضيه، لخير المغرب وخير الإنسانية جمعاء.