تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 .................. ص 47

مربي الشعب محمد الخامس

للأستاذ: محمد المكي الناصري

من ظواهر التاريخ والاجتماع التي تبدو على مسرح الحياة بين آونة وأخرى شخصيات قوية بارزة، ذات رسالة هادية، وروحانية ملهمة، لا تلبث أن تنكشف في الأفق حتى يحس الناس بنورها المتوهج، وأريجها العبق، وجاذبيتها المنعشة.

وهذا الطراز الفريد في نوعه لا يتكون نتيجة جهد واكتساب يبذلهما أي شخص عادي، وإنما هو ثمرة انتخاب طبيعي وفطري تشرف عليه العبقرية الخالقة والمبدعة لهذا الكون في طي الغيب!

وإذا وجد رجل من هذا الطراز بين شعب من الشعوب فإنه يعادل آلاف المفكرين والمصلحين، ويؤثر في بيئته ووسطه بمفرده مالا يؤثره كل هؤلاء مجتمعين.

والشأن في هذا الطراز من الرجال أن ينبوا بشعوبهم واتباعهم وثياب سريعة، يخطوا بهم خطوات واسعة، في قليل من الوقت، وبقليل من العناء، مما لا يصلون بدونهم إلى مثله أو قريب منه في عدة قرون. وقد يفارقون شعوبهم وأتباعهم بعد فترة قصيرة أو طويلة، ولكن الرجة القوية التي أيقظوا بها شعوبهم والشعلة المضيئة التي وضعوها في أيدي أتباعهم لا تزال ترسم لهم طريق السير زمنا طويلا، والوجهة المثلى التي وجهوهم إليها تظل هدفهم الأكبر، بل الأوحد قرونا وقرونا. فهؤلاء الرجال الأحياء الخالدون -رغم أنف الدهر- يصح أن يعتبروا إحدى قوات الكون الخارقة دون أدنى مبالغة ولا شطط، وهؤلاء بحق هم (صانعو التاريخ)، وهداة الأمم وروادها عبر القرون والأجيال ..

ومن حسن حظ المغرب أن الله وهب له - في أدق فترة من حياته وأقسى أزمة من أزماته- نموذجا حيا من هذا الطراز الإنساني الكامل في شخص (محمد الخامس) الذي أخرج شعبه من بين الأنقاض، ونفخ فيه من روحه، وفجر في قلبه أسمى المشاعر الإنسانية وأعمقها وأصدقها، وطبع حياته الخاصة والعامة بطابعه -المحمدي- الخاص.

ولعل أبرز ميزة امتاز بها محمد الخامس أنه (مرب) فطري وشعبي صميم، يؤمن بأسلوب التربية الصحيح، القائم على التجاوب التام بين عاطفتي الأبوة والبنوة. وقد فضله على غيره من الأساليب الشائعة، لأنه أسلوب الإنسانية في أصدق معانيها وأطهر صورها، بعيد كل البعد عن روح التسلط والتصنع والانتهازية والتهريج. وبذلك اتسعت دائرة النفوذ الروحي لمحمد الخامس، فشملت جميع طبقات شعبه، ووسعت كافة أبنائه ورعاياه، وأصبح لا يوازيه ولا يدانيه في المغرب أي شخص آخر من رجال التربية أو رجال السياسة العاديين. فهو بحق (أب) المغرب الجديد، ومربيه الأعظم ان لم يكن مربيه الوحيد.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢٠٥