لذلك كنا وما زلنا نرى أن الاعتماد على وسيلة الوعظ والإرشاد وحدها في إصلاح المجتمع لا يكفي، وأنه لابد من سن قوانين لحماية المجتمع من عوامل الفساد، وإنزال العقوبات الصارمة بمن تسول له نفسه مخالفة تلك القوانين، مع إسناد الرقابة في ذلك إلى أناس من ذوي المروءة والنزاهة ليلا يقع غض الطرف عمن يستحق العقاب، وإلحاق الضرر بمن لا ذنب له، وغلا فإن وعظ الوعاظ لم ينقطع في يوم من الأيام، والخطباء الجمعيون بحث أصواتهم من الإرشاد إلى طريق الرشاد، وكم كتب الكتاب المصلحون في هذه المجلة، وغريها معلمين ناصحين، وموجة الإلحاد مع ذلك لا تزيد إلا طغيانا وعفن الخلاق لا يفتأ يسمم المجتمع يوما بعد يوم فيقضي على الطهر والعفاف ويلطخ الذمم والأعراض، ولا غرابة فإن المسؤولين عن إشاعة الفساد، والمكنين لزحف المبادئ الهدامة على البلاد، هم ممن لا يترددون على المساجد، حتى يسمعوا دروس الوعظ والإرشاد، أو خطب الجمعة، بل إن معظمهم ولا أقول جميعهم لم يدخل مسجدا قط، وها هو ذا العدد العديد منهم، ومن ذوي الزعامة فيهم، يقسم الناس أنهم لم يروه قسط في مسجد، لا في مناسبة خاصة ولا في عيد ولا جمعة، بله سائر الأيام فلمن الوعظ إذن؟ وأما ما يكتب في الصحف من هذا القبيل فإن هؤلاء القوم لا يلتفتون إليه ولا يمرون به ولو مر الكرام، وإنما يعتبرونه تخريفا ورجعية، ويستهزئون به وبكتابه سرا وعلنا، حتى صارت كلمتا الوعظ والإرشاد عندهم مما يتندر به على كل دعوة إصلاحية وأدب هادف لن غير الإباحية والفجور لا يجد إلى نفوسهم مساغا ...
فمن اجل ذلك وجب حماية جمهور المسلمين من أذى هذه الطائفة، وتنحيتها عن مراكز القيادة، وعدم إناطة أية مسؤولية بمن كلن على غرارها ف يعدم احترام شعور الأمة وشعائرها الدينية، اعتبارا لحق السواد الأعظم في تسيير أمره حسب إرادته وما يعتقده صوابا كما تقضي به -على الأقل- أصول الديموقراطية التي نتبجح بها في كل مناسبة، إن لم يجر الأمر على ما تقضي به أصول الشرعية السمحة أحباها الله.
ولسنا نطمع ف يحسم مادة الشر ولا في استيصال جرثومة الفساد، فإن هذه غاية لم تتحقق حتى في زمن النبيئين والمرسلين صلوات الله عليهم، وأن يقمع التجاهر بالسكر والفسق، ويمنع المسلمون من المبيعات الحرام، وأن تحترم، الشعارات الدينية باحترام الشرع لها والناس، فلا يقال في السكير أنه لم يوذ احد فلذلك لا يتعرض له، ولا في المسلم يبيع الخمر والخنزير أنه ينمي اقتصاد البلاد، ولا تعطل المدرسة في (الأسنيون) وتشتغل يوم (المعراج) (1) إلخ ...
هذا ما نريد أو بعض ما نريد ولسنا ببالغيه بمجرد الكلام، ولو تكلمنا الليل والنهار، وإنما يجب أن تتضافر الجهود من دعاة الدين والفضيلة، ورجال الحكم والإدارة، فتوضع خطط الإصلاح وقوانين التطهير ويقع السهر على تنفيذها بقوة وعزيمة، حتى يهتدي الضال ويرشد الغوي، وتطمئن نفوس المومنين على مصيرهم ومصير أولادهم من بعدهم.
ولسنا في حاجة إلى إعطاء مثال على نجاح هذه الطريقة المضمون، ما دام مثال عطلة اليوم الآخر من شعبان قائما أمام أعيننا، فلقد كان الأمر الصادر بها من جلالة الملك أعظم من ألف خطبة وألف درس وألف مقال يكتب في الصحف والمجلات، ولقد جاء جوابا مسكتا لكل متنطع، ولقد أوقف سيل التعليقات المغرضة عند حده، وما أحسن الأشياء تجيء في إبانها، وف يمثل هذا المقام يقال: قطعت جهيرة قول كل خطيب.
إنها تظاهرة مولوية تدل على غيرة عظيمة على الدين، وتضامن مع الشعب المسلم الذي لا يقبل المساومة في عقائده وشعائر دينه بأي عرض كان (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) وإنها لفاتحة عهد جديد بحول الله يعلق فيه المخلصون أملا كبارا على العاهل الكريم في تجديد شباب الحكومة الإسلامية الآخذة بكل أسباب التقدم العصري والمحافظة في نفس الوقت على شعاراتها وشعائرها المقدسة.
(1) إن الإسراء والمعراج مما اتفقت عليه الأمة الإسلامية وأن اختلفت في تاريخه، ولكن المسلمين اليوم مجتمعون على اعتماد 27 رجب لتاريخه ناهيك أن مؤتمرا إسلاميا ينعقد في القدس كل سنة من أجل فلسطين في هذا اليوم ..