دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 .................. ص 41
عطلة اليوم الآخر من شعبان
للعلامة الأستاذ: عبد الله كنون
أمر جلالة الملك نصره الله بتعطيل جميع الإدارات والمدارس ومصالح البريد في يوم السبت 29 شعبان احتفاء بمقدم رمضان المعظم واستعدادا لمراقبة هلاله، كما كانت العادة في المغرب إلى الأمس القريب، وكما هي العادة في البلاد الإسلامية الأخرى إلى يومنا هذا، فكان هذا الأمر الكريم بردا وسلاما على قلوب المومنين الذين كثيرا ما تألموا لما يرونه من التهاون بأمر الدين وطمس المعالم التي يظهر منها أن البلد بلد إسلامي ما يزال أهله يتمسكون بعقيدتهم ويحرصون على أداء شعائرهم الدينية بكل خشوع وإيمان.
وتعطيل يوم التاسع والعشرين مع احتمال عدم رؤية الهلال في ذلك اليوم، هو تأكيد للفكرة وتصميم على تنفيذها لأن اليوم كان يوم السبت، ويم الأحد يوم العطلة الأسبوعية الرسمية -مع الأسف- في هذه البلاد العربية الإسلامية، فلو أخرت العطلة إلى يوم الثلاثين في هذه الحالة، لما كان لها مظهر خاص ولا أثرت التأثير المشهود في نفوس الكبار والصغار على السواء. على أنه لا مندوحة من جعل العطلة يوم التاسع والعشرين ولو لم يكن يوم السبت مادام أمر الهلال مغيبا عنا فالقصد هو مراقبته والاستعداد لدخول الشهر الكريم، وتوقفت بعض الإدارات والمدارس حتى بلغها الأمر من مراجعها الخاصة، ولست أريد أن انتقد عليها وإنما أريد أن أستخلص من ذلك عبرة للذين يهرفون كثيرا بما لا يعرفون، وهي انه كثيرا ما كان يأتي الخبر برؤية الهلال في ناحية ما، فتتوقف السلطات الشرعية عن الأذان بالصوم أو الإفطار حتى يثبت لديها بموجبه، ولكن المتساهلين ينتقدون عليها هذا التشبث ويصفونها بالتحجر، فهذا التحجر أيها السادة هو من قبيل تحجر تلك المؤسسات وتثبتها في عدم التعطيل حتى يأتيها الأمر ممن تخضع له مباشرة من المراجع العليا .. هذا مع مراعاة الفرق بين أمر الصيام أو الإفطار وأمر العطلة ..
ومن ذكريات كاتب هذه السطور أنه ولد في مثل هذا اليوم عشية وكان يوم السبت أيضا إلا أنه يوم الثلاثين، وكان الناس يستقبلون شهر رمضان وهلاله بما لا مزيد عليه من الفرح والسرور فالرجال يتبارون في إطلاق البارود، والصبيان يشعلون الحراقيات، والنساء يزغردون فوق سطوح المنازل، ويضربن الدفوف والمزاهر، فضلا عن نزهات شعبانة التي كان الطلبة وغيرهم يقيمونها في كل مكان، ولذلك لما أخبر جد الكاتب بولادة حفيدة قال فيما تتحدث به الأسرة: أن هذا الولد جاء «يشعبن» ..
وبعد فما أقصده بالتعليق على عطلة اليوم الآخر من شعبان هو القول بان هذا الدين، وكل دين كان قبله، والمبادئ السامية، والمثل العليا، وجميع القيم الإنسانية، إنما تتمهد وتتوطد، وينتشر أمرها ويعلو شانها بالحماية والنصرة وتأييد الدولة، وهو معنى القول المأثور: عن ما يزرع الله بالسلطان أكثر مما يزرع بالقرآن. فلو تركت هذه المعاني وشأنها من غير أن ترعاها السلطات الحكومية حق رعايتها، لما خفقت للدين راية، ولما ارتفع للفضيلة ذكر، لأن النفس أمارة بالسوء، والشر يعدي كما يعدي الجرب، فالأمة لسلامتها من الآفات الاجتماعية لابد لها من وتزع قوي يكبح جماح المبطلين، ويضرب على أيدي العابثين وإلا استشرى الفساد، وهلكت البلاد والعباد، وأظن أن هذا هو المقصود من حديث السلطان ظل الله في الأرض، لا ما ألصقه به المتنطعون من معنى تيوقراطي توسلا على مهاجمة حكومة الإسلام من هذا السبيل، وقد فهم المسلمون دائما أن مهمة الخليفة هي السهر على حفظ الكيان الاجتماعي والسياسي للأمة وعبر الشاعر قديما عن ذلك أصدق تعبير في هذا البيت الحكيم الذي جرى مجرى الأمثال:
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهبا لأقوانا