تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 .................. ص 05

دراسات إسلامية: المفهوم الحقيقي لكلمة الملسم

للأستاذ السيد أبي علي المودودي

تعريب الأستاذ محمد كاظم سباق

قد راج في كلامنا العام كلمات وتراكيب ينطق بها الصغير والكبير، ولكن قل منهم من يفهمها ويدرك غور معانيها؟، وبكثرة دوران تلك الكلمات على الألسن قد قر لها في أذهان الناس مفهوم إجمالي، فإذا تكلم بها ناطق أراد ذلك المفهوم، وإذا سمعها سامع فهم منها نفس المفهوم المختزل، ولكن المعاني العميقة الدقيقة التي قد كان وضع الواضع تلك الكلمات لأجلها لا يهتدي إليها المتعلم المثقف بله الجاهل العامي.

خذ مثلا كلمتي (الإسلام) و (المسلم). فما أكثر جريان هاتين الكلمتين على أفواه الناس وما أعم سيطرتهما على ألسنتنا: ولكن كم من الناطقين من ينطق بهما وهو يشعر بما تتضمنان من المعاني، وكم من السامعين من يسمعهما، يفهم منهما تمام المفهوم الذي كانتا وضعتا لجله، إن في المسلمين أنفسهم -دع عنك ذكر غير المسلمين- تسعا وتسعين بالمائة بل أكثر من ذلك يدعون أنفسهم (مسلمين) ويعبرون عن دينهم بكلمة (الإسلام) ولكنهم لا يعلمون من هو (المسلم) وما هو المفهوم الحقيقي لكلمة (الإسلام) فما أجدرنا ان نقضي بعض أوقاتنا اليوم في تشريح هاتين الكلمتين.

إنك إن نظرت في أحوال الناس من ناحية الاعتقاد والعمل وحدتهم على أقسام ثلاثة في أغلب الأحوال:

أولها هم الذين يقولون علنا بحرية الرأي وحرية العمل، فهم ف يأمر من أمور حياتهم يعتمدون على رأيهم أنفسهم ويؤمنون بما تحكم به عقولهم وكفى، ويختارون من طرق العمل ما يكون في رأيهم أنفسهم صوابا، فهم لا علاقة لهم بدين من الأديان ولا هم يتبعونه.

والقسم الثاني يتألف من الذين هم يدينون بدين ما في ظاهر أمرهم، ولكنهم يتبعون في الحقيقة آراءهم وأفكارهم أنفسهم، فهم لا يرجعون إلى دينهم ليأخذوا منه العقائد وقوانين الحياة، بل هم يتخذون بأنفسهم بعض العقائد حسب ما تشاء أهواؤهم وميولهم وحاجاتهم، ويختارون لأنفسهم طرقا للعمل، ثم يحاولون ان يصوغوا دينهم على صيغتها ويصبغوه بصبغتها، فهم لا يكونون في الحقيقة اتباعا للدين بل الدين يكون تابعا لهم ولأهوائهم.

والثالث يشتمل على الذين لا يستعملون عقولهم، بل يعطلونها تعطيلا، ويجرون وراء غيرهم يقلدونهم تقليدا أعمى، سواء كان أولئك أجدادهم أو معاصريهم.

فالطائفة الأولى تهالك على الحرية ولكنها لا تعلم حدودها الصحية، ان حرية الفكر والعمل لاشك صحيحة إلى حد ما، ولكنها إذا جاوزت حدودها عادت ضلالا، فالرجل الذي لا يعتمد إلا على رأيه في كل أمره، ولا يحتكم إلا عقله في جميع الشؤون، فهو واقع في سوء الفهم وبظن خطأ أن عمله وعقله قد أحاط بجميع أمور هذه الدنيا، فلا تعزب عنه حقيقة أو مصلحة، وأنه خبير بمعالم كل طريق في الحياة عارف بدقائق كل مذهب، عالم بنهاية كل سبيل كعلمه ببدايتها، هذا الزعم للعلم والتعقل في الحق زعم خاطئ، ولو احتكم المرء إلى عقله بصدق لدله عقله بنفسه على أنه -أي العقل- لا يتصف بالصفات التي يظنها فيه مقلده الأعمى وغن الذي يتخذه قائدا ولا يسلك طري حياته إلا على هديه، لا يمكن أن ينجو من زلة أو كبوة ومن مهلكة أو ضلال.

وهذا النوع من حرية الفكر والعمل ضار بالتمدن والحضارة أيضا، فمما تقتضيه الحرية ألا يعتقد المرء إلا ما صح في رأيه نفسه وألا يسلك من الطرق إلا ما صوبه صح في رأيه نفسه وألا يسلك من الطرق إلا ما صوبه عقله هو، ومما يقتضيه التمدن والحضارة -بخلاف

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١٦٣