ذلك- هو ان جميع من ينظمهم نظام للتمدن يجب أن يكونوا متفقين في بعض العقائد والأفكار الجوهرية، ويتبعوا في حياتهم تلك الآداب والعادات وتلك القوانين التي قد قرت لتنظيم الحياة الاجتماعية، فأنت ترى أن حرية الفكر والعمل تتناقض مع التمدن والحضارة، ان الحرية تبعث في الأفراد الأنانية والإباحية والفوضى، والتمدن يطالبهم بالاتباع والإطاعة والرضا، لذلك حينما كانت الحرية انعدم التمدن، وحيثما كان التمدن كان على الأفراد ان ينزلوا من حرية فكرهم وعملهم عن شيء كثير.
والطائفة الثانية أسوأ حالا من الأولى، فالطائفة الأولى ضالة فحسب، ولكن الثانية كذابة أيضا، ومنافقة غاشة مدخولة الباطن، وان كان رجل يستطيع أن يوافق بين دينه وأفكاره وميوله ضمن الحدود الصحيحة للتأويل فإنه يمكن اتباع الدين مع حرية الفكر والعمل، كذلك ان كانت ميول الرجل مخالفة لتعاليم الدين، ولكنه صوب تعاليم الدين وخطأ ميوله هو، صحت دعواه -إلى الحد- أنه يدين بذلك الدين الذي يدعى اتباعه، ولكنه ان كانت عقائده وأعماله صريحة الاختلاف عن تعاليم الدين الواضحة، ثم جاء هو يصوب أفكاره نفسه، ويخطئ تعاليم الدين، ويحاول ان يثبت كون التعاليم الدينية مطابقة لأفكاره وعاداته كيما يستطيع أن يعد من المؤمنين، فانا لن ندعو مثل هذا المكر والخديعة، أنا سندعوه إذن كذابا وسنضطر إلى ان تظن فيه انه لا يملك من الجراءة ما يبغي به على الدين علنا، لذلك يدعى إيمانه من طريق النفاق، وإلا ما الذي يمنعه -يا ترى- من هجر دين قد جاءت تعاليمه تخالف عقله وتناقض أفكاره وعقائده وتمنعه من اتباع الطرق التي يحب ان يسير عليها من صميم القلب، بل هو سائر عليها في الواقع.
والطائفة الثالثة أسفل هذه الطوائف جميعا باعتبار درجتها العقلية، فإنما خطأ الطائفتين الأوليين أنها تحملان العقل ما لا طاقة له به، ولكن خطأ هذه الطائفة أنها لا تستعمل العقل أصلا أو تستعمله استعمالا نزرا سواء هو العدم، وأي خزي أكبر لعاقل ان يعتقد عقيدة ما ثم لا يكون بيده دليل بحق تلك العقيدة سوى أنه ألقى عليها آباءه، أو أن تومن بها الأمة الفلانية التي هي على درجة عالية من الرقي، كذلك ان الرجل الذي يتبع بعض الطرق في شؤونه الدينية أو الدنيوية لكونه قد توارثها عن آبائه وأسلافه، أو يختار الطرق الأخرى بناء على كونها رائجة بين الأمم الغالبة في زمانه، كأنه يبرهن عن نفسه انه ليس في جمجمته دماغ ولا في دماغه قوة للفكر، فهو لم يؤت من ملكة يميز بها بين الخاطئ والصحيح، أنه ولد في بيت يهودي بالمصادفة فهو يؤمن بصدق الديانة اليهودية، ولو أنه ولد في بيت مسلم لآمن بصدق الإسلام، أو ولد لأبوين نصرانيين لتحمس للنصرانية، كذلك من المصادفة أيضا أن الغلبة في زمانه للأمم الفرنجية، فهو يعد عادات الأفرنج معيارا للتهذب ورمزا للرقي، ولو كانت الغلبة في زمانه للصينيين لكانت عادات الصينين هي عنوان التهذب عنده، وان تكن الغلبة اليوم في العالم لحبش الإفريقية فلا حرم يعود هذا الرجل الحنيف العقل يعتقد الحبشية هي عصارة الإنسانية والتحضر.
الحق أنه لا يصح ان يستدل على صحة شيء وصدقه بأنه قد عمل به الآباء والإسلاف أو بأنه معمول به اليوم في الدنيا، فإن الدنيا غنما وقعت فيها الحماقات قديما وحديثا، وليس لنا ان نقلد تلك الحماقات تقليدا أعمى، ولا لنا ان نروح نتبع كل طريق من الطرق القديمة أو الجديدة بدون ان نرى ونتبصر، فنربط أنفسنا بذيل كل سائر في الطريق، سواء أكان ماضيا إلى الأشواك أو إلى هوة من ضلال، وانا إنما أوتينا العقل لأجل ان نميز بين الخير والشر في هذه الدنيا ونفرق بين الصحيح والزائف بعد ان نختبرهما على المحك، وان نرى -قبل ان نقتدي برجل- أين هو سائر بنا، والإسلام بعد كل هذه الطوائف الثلاث واقعة في الباطل والضلال.
أما الطائفة الأولى فهو يقول فيهم أنهم لا يقتدون يمن عنده النور، ولا هم بأيديهم أنفسهم نور الحق والصدق حتى يستضيئوا به في طريق حياتهم، فمثلهم كمثل من رجم بالغيب ومشى على الدرب في الظلام، فقد يبقى على المحجة وفد يعدل عنها ليقع في الحضيض، ذلك بأن الظن والتخمين ليس من اليقين في شيء، بل هو عرضة للصحة والخطأ، ووقوع الخطأ فيه أكثر احتمالا:
وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، ان يتبعون إلا الظن وان هم الا يخرصون (يونس: 66) ان يتبعون إلا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا (النجم: 28)