تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 .................... ص 41

ومع ذلك فإن التاريخ كان بخيلا جدا في حديثه عن الفقيه عبد الوهاب الزقاق، وأنت في حاجة إلى أن تستعرض كتب التاريخ كلها لتعرف القليل الممكن عن هذا الفقيه.

فهو أولا عبد الوهاب بن محمد بن علي الزقاق، أي أنه حفيد الفقيه علي الزقاق صاحب المنظومة المشهورة في الفقه المالكي.

كان الفقيه عبد الوهاب الزقاق خطيبا بجامع الأندلس بفاس، وكان مدرسا يشرح لطلابه مختصر الشيخ خليل، وكان إلى جانب فقهه عالما بالنحو متضلعا فيه، ولعله كان يقول الشعر أحيانا، فقد حرصت كل الكتب التي تحدثت عنه على أن تورد له هذين البيتين، وألا تورد له غيرهما:

من أخمل النفس أحياها وصونها إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ولم يبت طاويا كشحا على حذر فليس ترمي سوى العالي من الشجر

وكان للفقيه عبد الوهاب الزقاق آراء خاصة في بعض جزئيات الدين، كان يدافع عنها ويكتب فيها الرسائل، منها أنه كان يرى أن وعيد الله للعصاة والمخالفين عن أمره ليس من اللازم أن يتحقق، وأن من الجائز في حق الله أن يخلف وعيده بالعقاب والانتقام والتعذيب.

هذا كل ما احتفظت لنا به كتب التاريخ عن الفقيه عبد الوهاب الزقاق، فيما عدا قصة موته، ولعله على ضآلته كاف لأن يدلنا على بعض الملامح من شخصية هذا الفقيه الورع، الذي ذهب ضحية وفائه وإخلاصه واتخاذه الحيطة لدينه، كما سيبدو لنا بعد حين.

الآن وقد قدمنا كل أبطال القصة، فلعل من الممكن أن نعود فنبدأها من أولها.

كان ذلك في أواسط القرن السادس عشر، وكان الصراع على أشده بين دولة مقبلة، ودولة مدبرة، بين دولة المرينيين التي كان دورها قد انتهى، ولكنها كانت لا تزال متشبثة بمكانها على المسرح، لا تقبل التخلي عنه، بأي حال من الأحوال، وبين دولة السعديين التي كانت تصعد سلم المجد في خفة وسرعة، والتي كانت تفرض وجودها بحد السيف، وتحكمه في كل خلاف ينشب بينها وبين غيرها، كيفما كان مظهر هذا الخلاف، وأيا كان من يصدر عنه، خصما سياسيا، أو حليفا يخشى غدره، أو فقيها ورعا لا يرى أي موجب لنقض بيعة ملك شرعي لمجرد الخوف أو التملق أو الرضى بالواقع.

في سنة 1524 ميلادية، توفي بفاس عاصمة الدولة المرينية، السلطان المريني أبو عبد الله المعروف بالبرتغالي، وولى الأمر بعده ولي عهده أخوه أبو حسون، ويبدو أن أبا حسون هذا كان ضعيفا، أو كان قليل الحظ سيء التدبير، ومهما يكن فقد حالفه النحس من أول يوم، وظل النحس يطارده إلى أن أسلم الروح نهائيا في معركة فاصلة بينه وبين السعديين.

ثار عليه في أول عهده بالملك ابن أخيه المتوفى، ولم يجد أية صعوبة في أن يحمله على التنازل له عن العرش، وهكذا أصبح الملك بعد خلع أبي حسون، هو السلطان أحمد بن أبي عبد الله البرتغالي.

ومع ذلك فإن دور أبي حسون في هذه القصة لم ينته بعد.

كانت الأحداث في هذه المدة، وقبلها بمدة ليست باليسيرة، تتمخض في جنوب المغرب عن دولة جديدة هي دولة السعديين، بل إن هذه الدولة كانت ولدت بالفعل، وكانت تترعرع بسرعة في مهدها البعيد إذ ذاك عن أيدي متناول الملوك المرينيين.

كانت هذه الدولة قد استقلت بجنوب المغرب، وغلبت على مراكش، واتخذتها قاعدة لها، أي أن البلاد كانت مقسمة في هذه الفترة بين السعديين والمرينيين، فكان الجنوب وقاعدته مراكش للسعديين، وكان الشمال وقاعدته فاس للمرينيين.

وإذا كان المرينيون قد بدأ اليأس يخامرهم من أن يغلبوا السعديين على مراكش، فإن السعديين كانوا يتطلعون إلى السيطرة على فاس، والقضاء نهائيا على دولة بني مرين، وامتلاك المغرب برمته، وكان الملك السعدي إذ ذاك محمد الشيخ، يكثر من ترديد هذا البيت للمتنبي:

الناس كالناس والأيام واحدة والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا

وتمت الغلبة بالفعل لأبي عبدا لله الشيخ، فقد غزا المرينيين في عقر دارهم، وانتصر عليهم، وبعثهم أسرى إلى مراكش، وعلى رأسهم جميعا السلطان أحمد بن أبي عبد الله البرتغالي، الذي كان من قبل قد ثار على عمه أبي حسون، وأرغمه على التنازل له عن العرش.

لم يفلت من المرينيين من قبضة أبي عبد الله محمد الشيخ إلا أبو حسون، الذي كان قد تنازل عن العرش لابن أخيه، وقنع بأن يصبح قائدا في جيشه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١٥