دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 .................... ص 40
جولات قصيرة في تاريخ المغرب: اقطعوا رأسه بشاقور
للأستاذ: عبد القادر الصحراوي
-1 -
(أنا سلطان السلاطين وملك الملوك، مانح التيجان للملوك على وجه البسيطة، ظل الله في الأرض، سلطان البحرين الأبيض والأسود، وخاقان البرين، وملك الروملى، والأناضول، وبلاد الكرمان، وبلاد الروم، وزلكدريا، وديار بكر، وكردستان، وآذربيجان، وفارس، ودمشق، وحلب، والقاهرة، ومكة والمدينة، والقدس، وكل البلاد العربية، واليمن، وبلاد كثيرة.
افتتحها آبائي وأجدادي الأمجاد بقوة سلاحهم، وجعلتها جلالتي المعظمة تابعة لسيفي الملتهب، ومهندي المنتصر.
أنا السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان، ابن السلطان بايزيد خان، أبعث إليك أنت فرنسيس ملك فرنسا).
هكذا كان يكتب إلى الملوك المعاصرين له السلطان سليمان العثماني، سليمان القانوني كما كان يدعوه الأتراك أو سليمان الكبير كما كان يلقبه الأوربيون.
ورغم ما يبدو في هذا الخطاب من عجرفة وأنانية واعتداد كبير فإنه يعبر عن حقيقة لا يتطرق إليها الشك هي أن السلطان سليمان العثماني كان قويا جدا وعظيما جدا، وكان معتدا بقوته وعظمته إلى حد كبير.
لقد كان عصره هو الذروة بالنسبة للدولة العثمانية، ولقد بلغت دولته على عهده أقصى ما أمكنها أن تبلغه من الازدهار والعظمة والفتح والتوسع والاستعمار في آسيا وأوربا وإفريقية، ومع ذلك فإنه لم يستطع هو ولا أي واحد من سلاطين الدولة العثمانية، أن يفتح المغرب أو أن يفكر في ذلك تفكيرا جديا، ولا شك أن لذلك أسبابا متعددة، منها بعد الشقة من جهة، ومنها من جهة أخرى ما عرف به المغرب والمغاربة دائما من المناعة وشدة المراس والأنفة والصمود في الحرب.
كانت فرائص الملوك ترتعد من ذكر السلطان سليمان القانوني أو سليمان الكبير، وكان يكفي أن يتوجه بأطماعه إلى بلد من البلاد لتهتز العروش تحت ملوكها، وتتحرك التيجان فوق رؤوسهم.
أما كل ما يهمنا نحن الآن من السلطان سليمان العثماني، فإنما هو كونه أحد أبطال القصة التاريخية التي نتخذها اليوم موضوعا للحديث، وإذا كانت القصة قد وقعت حوادثها في المغرب، فإن ذلك لم يكن ليمنع السلطان سليمان العثماني من أن يكون له فيها دور يلعبه من القسطنطينية عاصمة ملكه.
أما بقية أبطال القصة، فهو أبو عبد الله محمد الشيخ ثاني ملوك الدولة السعدية بالمغرب، وأبو حسون الوطاسي آخر ملوك الدولة المرينية، ثم الفقيه عبد الوهاب الزقاق، وهناك أبطال ثانويون لا نرى موجبا للتنويه بهم في هذه المقدمة، وقد ترد أسماء بعضهم في صلب الموضوع.
أما عبد الله محمد الشيخ وأبو حسون الوطاسي فربما كانا في غنى عن تقديمهما أو التعريف بهما، فقد كانا ملكين، وكل كتب التاريخ تذكر حياتهما وما كان بينهما من نزاع بتفصيل لا مزيد عليه.
وأما الفقيه عبد الوهاب الزقاق، فقد كان مجرد فقيه، وكان من الممكن لذلك ألا يحفل به التاريخ وأن يهمله وينساه، كما أهمل الكثيرين ممن لم يكن لهم ضلع كبير في السياسة، ولم يكن لهم نفوذ كبير في الحكم، ولكن التاريخ مع ذلك ذكره لسبب واحد، هو أن قصة موته تتصل اتصالا وثيقا بقصة موت ملك من الملوك، هو أبو عبد الله محمد الشيخ، أحد أبطال قصتنا هذه، أو بطلها الرئيسي إذا أردنا الدقة في التعبير