تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 .................... ص 42

نعم، أفلت أبو حسون، لا ليخلد للراحة، ولا ليقنع من الغنيمة بالإياب، ولا ليحمد الله على السلامة، وإنما ليجوب بلاد الله، يبحث عمن يعينه على سعيه لإعادة مجد دولته.

وعندما كان أبوعبدالله محمد الشيخ، يرسي قواعد الدولة الجديدة، وينعم بالنصر، ويتلقن هو وحاشيته وأفراد عائلته قواعد البروتوكول ومراسم القصور بالعاصمة، كان أبو حسون يتجول في اسبانيا، يستغيث بملوكها، ويطلب منهم أن يعينوه على أمره، وعندما لم يجد أبو حسون من الاسبانيين عونا تركهم إلى الجزائر.

كانت الجزائر إذ ذاك ولاية عثمانية كتونس وطرابلس ومصر وسائر البلاد العربية الأخرى، وكان المرينيون في المغرب على علاقات ودية طيبة مع الدولة العثمانية، يعترفون لها بالخلافة وإن لم يتبعوها أو يخضعوا لها، فكانوا يخطبون باسمها على المنابر وربما ضربوا عملتهم باسم السلطان سليمان العثماني.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العثمانيين لم يكونوا يكرهون أن تتم لهم السيطرة على المغرب، وإذا كان من الصعب على القسطنطينية أن تفكر في ذلك جديا أو أن تنفذه، لبعد الشقة، ولأسباب أخرى كثيرة، فربما لم يكن ذلك من الصعب على واليها بالجزائر، خصوصا وأن سلطان الدولة الجديدة بالمغرب أبا عبد الله محمد الشيخ قد بدأت أطماعه تتسع، وقد بدأ طموحه يترامى إلى مدينة تلمسان لينتزعها من أيدي الأتراك العثمانيين.

وهكذا وجد أبو حسون من الوالي التركي بالجزائر آذانا صاغية، واستعدادا لإمداده بما يلزم من المال والرجال والعتاد، ليستعين بكل ذلك على استرجاع مجد دولته الذي قضى عليه الملك السعدي أبو عبد الله الشيخ.

وقدم أبو حسون إلى فاس من الجزائر في جيش تركي كبير، وكانت بينه وبين أبي عبد الله محمد الشيخ حرب كان النصر فيها لأبي حسون، وفر أبو عبد الله الشيخ إلى مراكش يجر وراءه الخيبة، ويجتر آلام الهزيمة المنكرة بعد ذلك النصر المبين، ويفكر في انتقام شديد مريع لشرفه وسمعته، ولدولته الفتية الطامحة إلى الحكم والمجد والسيطرة.

ويبدو أن هذه المدة التي قضاها أبو عبد الله محمد الشيخ بفاس، وهي نحو من خمس سنين، كانت شديدة الوطأة على أهلها، فقد كان سريعا إلى الدماء شديد الفتك، لا يتورع ولا يتحرج، بل يضع مصلحة دولته فوق أي اعتبار آخر كيفما كان.

لقد استطاع أن يفرض سلطانه على فاس بالقوة، ولكنه لم يستطع أن يحمل الناس فيها على محبته، ولا أن ينسيهم الدولة المرينية التي كانوا شديدي الحب لها والتعلق بها وذكر أيامها بخير, وعندما غلب على أمره أمام أبي حسون والجيش التركي، تنفس الناس الصعداء في فاس، وخرجوا يستقبلون أبا حسون استقبال الفاتحين المحررين.

يقول مؤرخ مغربي هو محمد الصغير الوفراني في كتابه نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي: (ولما دخل أبو حسون فاسا، فرح به أهلها فرحا شديدا، وترجل هو عن فرسه، وصار يعانق الناس كبارا وصغارا، وشريفا ومشروفا، وهو يبكي على ما دهمه وأهل بيته ... واستبشر الناس بقدومه وتيمنوا بطلعته).

ولعلنا لا نشك في أن هذا القدر من المحبة والاستبشار الذي أظهره الناس بفاس، لم يكن لشخص أبي حسون نفسه، وإنما كان للدولة المرينية التي كان يمثلها، لقد كان هو وحده بقية هذه الدولة التي شردها أبو عبد الله الشيخ، والتي كانت تحظى في فاس بوجه خاص بتأييد جميع الطبقات وحبها وإخلاصها.

مهما يكن، فقد انقضت أيام الاحتفال بالنصر، وبدأت المشاكل تطل، وكانت أولى هذه المشاكل أن السكان بدأوا يتضايقون من جيش الاحتلال الذي كانوا ينظرون إليه منذ مدة على أنه جيش التحرير.

لقد استطاع أن يفرض سلطانه على فاس بالقوة، من الجزائر، ولكن المسألة لم تكن تعني بالنسبة لأفراد هذا الجيش تحريرا أو نصرا على دولة، وإنما كانت تعني المغامرة والكسب والغنيمة وما إلى ذلك، وصبر الناس ما صبروا للجيش التركي، ولكنه بدأ يتطاول إلى الحريم.

ولم يجد أبو حسون بدٍا من أن يدخل في مفاوضات من أجل جلاء هذا الجيش الأجنبي عن المغرب، بعد أن أدى مهمته، وكانت نتيجة هذه المفاوضات طيبة في الجملة على عكس ما كان متوقعا، فقد جلا عن المغرب جل الجيش التركي، وتخلف منه على حد تعبير المؤرخين المغاربة (نفر يسير).

ولسنا ندري ما إذا كان هذا (النفر اليسير) قد فرض على أبي حسون فرضا، أو أنه اختار الاحتفاظ به للطوارئ.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١٦