تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 .................... ص 39

الذي زاده الملك في المسجد رائع جدا سواء من حيث البناء أو الزخرفة، ولا مناسبة مطلقا بينه وبين القسم القديم، ومن محاسنه أن التهوية فيه كهربائية بطريق (الكندشين) بخلافها في القسم القديم فإنها فيه بطريق المراوح، وكم تسبب من أضرار للمصلين.

وعلى كل حال فإن المسجد بهذا العمل قد اتسعت أرجاؤه وصار متعة للنظر زيادة على كونه متعة للروح ... وكم يحلو للزائر الجلوس في بلاط من هذه الزيادة يعد الزيارة والصلاة، فيرى أفواج الزوار داخلين من أبواب المسجد العديدة، كل ولونه وسحنته ولغته، يحدوهم الإيمان ويدفعهم الشوق إلى المقام الشريف فيسلمون، ثم يأتون مشرقة وجهوهم مبتهجة نفوسهم، فيجلسون هنا وهناك مابين قارئ وداع ومستغرق في التفكير والاعتبار، حتى يرتفع هذا الصوت الملائكي، صوت المؤذن، ويا لله من مؤذن المدينة! إنه ذو صوت ليس في العالم أندى ولا أطرى ولا أعمق تأثيرا منه ... وإنه، والله، حينما يرجع كلمات الأذان، ليخيل إلي أنه صوت منبعث من الجنة، وإن ما بيننا وبين العالم الباقي قد طوي، ونحن في باحات الخلد نرتع، حياك الله يامؤذن المدينة! وحفظ عليك هذه النعمة التي جعلتني أعذر من قرأ قوله تعالى ?يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء? بالحاء المهملة، إن كنت أنكر عليه هذا الإغراب!!.

فإذا أذن المؤذن ارتج المسجد وغص بالمصلين على سعته، ومضت هنيهة ليست من هذا العالم المادي في شيء، وكنت أتصوره صلى الله عليه وسلم مشرفا من عليائه ينظر إلى هذه الألوف المؤلفة، وقد تراصت صفوفها في الصلاة، فيبتسم فرحا بالمؤمنين من أمته، كما ابتسم في مرض موته وقد أطل من حجرته فسره ما رأى من إقبال الصحابة على عبادة الواحد الأحد جل وعلا، إن المغزى لهو ما عبر عنه البوصيري رحمه الله في داليته بقوله:

والمرء في ميزانه أتباعه فأقدر إذا أقدر النبي محمد

وهو ما أقام منه الفيلسوف الإنجليزي (كارليل) برهانا ساطعا على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، فإن الدعوى التي لها هذا (ألما صدق) الخالد في واقع البشرية لا يمكن أن تكون كاذبة.

وجعلنا نتأهب لمغادرة المدينة، ونفوسنا لا تقوى على ذلك، ولقد أقمنا بها سبعة أيام مرت كأنها طيف خيال، وفي اليوم الذي عزمنا فيه على السفر وصل إليها صباحا سفير المغرب بالعراق السيد الحاج الفاطمي بن سليمان ووزير القصور والأوسمة الأستاذ محمد معمري الزاوي وصحبتهما سفيرنا بجدة الأستاذ غازي ومندوب وزارة الخارجية السيد عبد اللطيف العراقي ... فقضينا اليوم جميعا في أنس وسرور، لم ينغصه علينا إلا تلاعب المزور الذي كان مكلفا بإحضار تذاكر الطائرة التي سننتقل عليها إلى جدة، فكان يرد علينا آونة بعد أخرى ويطمئننا على أنه يريد أن يحقق لنا وقت قيام الطائرة بالضبط حتى لا يطول انتظارنا بالمطار… و أخيرا لما ساورنا اليأس منه، جاءنا وقد أذن للمغرب فأعلمنا بأن الطائرة ستقوم حوالي العشاء فما علينا إلا أن نخف حالا للمطار.

وعرفنا أنه يريد أن يتخلص منا فقط، وذهبنا للمطار، فما راعنا إلا ندل المقاهي والمطاعم الشعبية التي حوله يعرضون علينا كراء أسرة للنوم نقضي عليها ليلتنا في الفضاء ريثما يحين موعد قيام الطائرة، وبتنا فعلا بالمطار، ولولا مروءة مديره الذي اتصل به بعض الرفقاء فتأسف لما وقع، وأكد لهم أن هذا من تهاون المزور، وأذن لنا بالسفر على الطائرة التي قامت بعد منتصف الليل بثلاث ساعات، لما كنا غادرنا هذا المطار إلا في ضحى الغد ... وفكر في التعب الذي نلقاه والحر الذي نستهدف له، واحكم على معاملة هذا المزور الذي ما لقي منا إلا أكرم المعاملة وأجملها، ولقد قيل لنا إن الوفد في العام الماضي بقي يتردد على المطار ليلتين، ونحن لما وصلنا إلى المطار وجدناه غاصا بالركاب المنتظرين وقد باتوا كلهم هناك، وركب البعض منهم قبلنا وتركنا الباقين ينتظرون دورهم! هذا أمر يجب النظر فيه ونقص لابد من تلافيه.

"يتبع"

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١٣