دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 .................... ص 38
وكذلك زارنا نسيبه السيد محمد بن الطيب، وهو يشتغل أستاذا بمدارس الحجاز، وبقي يتردد علينا في المدينة وفي مكة ويأخذ بيدنا أخذ الله بيده، ثم لقيناه في مصر وهو يستعد للعودة إلى الوطن ... ومثله أدبا وأخلاقا من يقول أنا مغربي في الشرق.
وعاودني مرض جدة، أي هذه (الأنفلونزا) أو أنف العنزة كما يتوهم بعض الأطباء أصل الكلمة، والواقع أننا أجهدنا أنفسنا بالسفر قبل الفجر ثم الزيارة الطويلة التي مكثنا بها في المسجد قرابة أربع ساعات في زحمة عظيمة ... ففي العشبية ثقلت عن الخروج وارتفعت حرارة جسمي إلى رقم غير عادي، وهكذا مكثت ثلاثة أيام بعد ذلك تحت العلاج، وتحامل الرفقاء على أنفسهم، وفي الحقيقة أنهم كانوا دائما أكثر صبرا وتجلدا مني، فخرجوا إلى المسجد وبقيت وحدي في المنزل، أداري الحمى والصداع ورشح الأنف، على أنني أشهد أنهم بقطع النظر عن مرضي كانوا دائما أكثر انقطاعا للعبادة وأقوم بنوافل الخير مني، على أنهم لم يلبثوا أن أصيبوا واحدا بعد واحد بنفس المرض واضطروا لمعالجة الطبيب والإقامة بالبيت كل على حسب منته، وضعف المرض أو قوته، جعله الله طهورا ومحص به من الجميع، وكنت أثناء مرضي استقبل الزوار الكثيرين، ما بين مغاربة وحجازيين، ممن لهم مخصصات معينة في مال الوقف الذي معي، وممن لا مخصصات لهم وإنما يؤملون أن تعمهم عطايا جلالة الملك على يد وفده الرسمي ... فكان في مرضى الذي أوجب إقامتي بالبيت ما سهل علي إنجاز هذه المهمة بسرعة، ولم يحوج هؤلاء الزوار إلى تكرار الزيادة في حالة ما إذا لم يجدوني في البيت، وهكذا توصل الجميع بما ينويه في الحال، وانصرف رطب اللسان بالدعاء لمولانا الملك بدوام العز والنصر والتأييد.
والمغاربة المقيمون بالحجاز طبقات مختلفة، منهم - وهم الأكثر عددا - إخواننا الشناقطة المشهورون منذ زمان بحب المجاورة في البلاد المقدسة، وذلك لأنهم فضلا عن الشعور الديني الذي يجذبهم إلى المجاورة ينسجمون كثيرا مع طبيعة البلاد وأهلها، فلا يشعرون بفارق ما بين حياتهم في وطنهم وحياتهم في الحجاز ... وهم كسائر المغاربة يفضلون المدينة على مكة، أليسوا مالكية؟ ومذهب مالك هو المشار إليه بقول خليل بن إسحاق (والمدينة أفضل ثم مكة) ولهذا فعددهم بالمدينة أكثر منه بمكة… على أنه فيهما معا كثير، ومن أجل ذلك كان رفيقنا الأستاذ السيد محمد بن عبد الرحمان العلوي الشنقيطي يحس هنالك كأنه بين أهله وذويه، فما يزال في زيارات متتابعة لهم، ولا تراه إلا مع رفقاء عديدين منهم.
ومن المغاربة المقيمين بالحجاز أفراد هاجر آباؤهم أو هاجروا هم منذ مدة طويلة وهم يعتبرون من الرعايا الحجازيين، كصاحب البيت الذي نزلنا فيه، وينزل فيه وفد الحج الرسمي كل سنة، وكالسيد محمد بن عبد الرحمان الوالي الفيلالي صاحب مدرسة التهذيب بالمدينة… وآل الوالي من الأشراف الأدارسة بتافيلالت، ويخطئ فيه الناس فينسبونه علويا على العادة في كل شريف جاء من تافيلالت، اللهم إلا أن يكون نسب الوالي هو الخطأ فتصبح علوية حينئذ، وهذا الرجل هو من أمثل المغاربة المقيمين بالحجاز إخلاصا ووطنية ويقوم بمهمة شريفة وهي التعليم… وقد استدعانا لبيته وزرنا مدرسته، وإن كان الوقت عطلة… وما أحرى هذه المدرسة بالمساعدة.
ومنهم أيامى كثيرات، توفى أزواجهن عنهن أثناء الحج أو بعد المجاورة زمنا، فلم يستطعن الرجوع إلى المغرب…. وهن يمثلن أكثر مدن المغرب ونواحيه، من فاس ومراكش والدار البيضاء والقصر الكبير وتطوان وغير ذلك، وحالتهن تدعو إلى الرثاء، فعسى أن يقع الاعتناء بإحصائهن كسائر المغاربة وتسهل لهن العودة إلى مسقط رؤوسهن أو تنظم لهن إعانة مناسبة في حالة ما إذا اخترن البقاء هناك.
وقد تكرر ذكر البيت الذي نزلنا فيه، ولم أشر إلى أنه البيت الذي كان يسكنه العلامة المحدث الشيخ سيدي محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله مدة إقامته بالمدينة المنورة، وعلى ما قيل لنا أنه من أكبر البيوت القديمة، وهو على الطراز التركي، والطابق السفلي الذي كنا نازلين فيه عبارة عن قاعة طويلة ذات دكتين مفروشتين بالحشايا والوسائد عن يمين الداخل ويساره، في حين أن وسط القاعة مفروش بالكراسي، وفي أعلاه فتحة إلى السماء بمثابة الحلقة التي تكون في وسط الدار عندنا، وعليها قلع ينشر في وسط النهار بواسطة حبال متصلة به لاتقاء شعاع الشمس ويطوى فيما عدا ذلك وطلبا للتهوية. و ارتفاع هذه القاعة كبير جدا بحيث يساوي أعلى طبقة في المنزل، وقبل القاعة يوجد مقعد متوسط يستعمل كمحل للأكل، وليس في البيت حمام ولا دورة مياه عصرية، والماء ينقل إليه بواسطة سقاء، كما أن الاستنارة فيه وفي غيره من بيوت المدينة ما تزال بواسطة مصابيح الغاز. فالملاحظة العامة هي أن المدينة لم تحظ حتى الساعة بعناية كبيرة من حيث الإصلاح وإدخال وسائل الحضارة فيما عدا المسجد النبوي.
وأما المسجد فلا يستطيع أحد أن ينكر العمل العظيم الذي قام به الملك سعود في توسيعه وتجديده. ولو لم يكن له أثر في الحجاز إلا هو لكفى، و القسم الذي