تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 .................... ص 37

إلا بعد الصلاة، وهكذا سرعان ما امتلأت جميع المقاعد التي كانت فارغة وحلقت الطائرة في الجو، وكنا نحن على وضوء، فمنا من صلى في مقعده ومنا من انتظر النزول في مطار المدينة حتى يصلي على الأرض ولو في آخر الوقت. لاسيما ومدة السفر أقل من ساعة، فما كان بأسرع من انتشار نور النهار في أنحاء الأفق، وإذا بنا لا ننزل إلا وقد أقبل النهار من هاهنا وهاهنا- وفهمت كيف وقعت قضية الوادي التي وردت في الحديث، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم هو وصحبه الأكرمون على أهبة لصلاة الصبح فما أغفوا، وهم ينتظرون طلوع الفجر، إلا وقد ضربتهم الشمس! - ... أن مابين الفجر هنا والشروق متقارب جدا. أليس هو الشرق؟ .. وهبطنا الأرض، وأي أرض هي؟! إنها الأرض التي انبعث منها شعاع الإيمان فأضاء ما بين المشرق والمغرب، إنها الأرض التي آوت رسول الله، فلم يبغ بها بديلا بعد، وكان يدعو الله أن يحببها إليه وإلى أصحابه من المهاجرين كحبهم مكة مسقط رؤوسهم أو أشد! إنها الأرض التي عرفت دعوة الحق فأيدتها وناصرتها وأصبحت دار الإيمان الأولى كما قال الله سبحانه وتعالى فيها ?وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ? هي المدينة بـ (أل) الحقيقية فلا مدينة غيرها، كما أنه لا مدنية (بفتح الدال) غير المدنية التي نشأت بين لابتيها! هي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، مهبط الوحي، وموطن الجهاد، وقرارة العلم الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، هي المدينة التي تثبت في كل لحظة صلة الأرض بالسماء، وصلة ساكنها عليه السلام بالرفيق الأعلى، فأين منها مدن (الناطحين) للسحاب؟ ومدن المسفتحين (بالكلاب)؟!

الله أكبر، هذا أحد، الجبل الذي يحب الرسول ويحبه الرسول، وهذه قبا، حيث المسجد الذي أسس على التقوى، من أول يوم! وهذه هي القبة الخضراء يعمرها النور، ويتغمدها الرضوان، وتحف بها ملائكة السماء!

هذه دارهم وأنت محب! ما بقاء الدموع في الآفاق؟

ودلفت بنا السيارة وكانت سيارة عمومية، تقل الزوار من مختلف بلاد الإسلام، جاءوا يمشون إلى ضوء هذا السيد الكريم الذي لا أكرم منه على الله، وهم على اختلاف طبقاتهم، وتباين مقاماتهم، كانوا في منتهى الأدب والخشوع، مستشعرين عظمة الحضرة التي يقصدونها، وهيبة المقام الذي يتوجهون إليه ... وقطعنا المسافة بين المطار ووسط المدينة، في هذا الاستغراق الذي لم يكن يوشوشه إلا هذا السائق المرح، يترنم ببعض التوسلات تارة بعد تارة، ويدخن، التدخين في ذلك الظرف كان عندي من قلة الذوق إن لم أقل من سوء الأدب، ولكنه سائق المدينة، لابد من احتماله، ألم يكن يدخن ويتوسل؟

وغادرنا السيارة، وقصدنا إلى البيت الذي نزلنا فيه، ونحن في غمرة من الغبطة والسرور، والسعادة والحبور، بحيث ذهلنا عن أنفسنا فلم ندر كيف تناولنا ما قدمه إلينا رب مثوانا من طعام الفطور وقمنا نتجهز للزيارة الكريمة بتجديد الطهارة، ولبس أحسن الثياب وأوقره، والتطيب، وما هي إلا كلا ولا حتى كنا نقصد المسجد النبوي فهل هذه يقظة أم منام؟ هذا والمسجد الذي وضعت فيه أسس العلم الإسلامي كله، والعلم الإسلامي يعني هذه الحضارة الزاهية التي عاش العالم ولا يزال يعيش في ظلالها موفقا بين مطالب الروح والجسد وجامعا بين سعادة الدين والدنيا، هذا أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال لغيرها، ونحمد الله أننا لم نخالف عن هذا الأمر قط، طاعة الله ورسوله. هذا هو المسجد الذي الصلاة الواحدة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه، فتعال بنا نغتنم هذا الفضل العظيم ونصل تحية المسجد بهذه النية راجين القبول من المولى الكريم ...

وانصرفنا إلى المواجهة الشريفة فلا أستطيع أن أعبر عما خامرنا من شعور الهيبة والإجلال لذلك المشهد العظيم ووقفنا كأنما على رؤوسنا الطير، وخشعت أبصارنا، ووجفت قلوبنا، وكانت لحظة بمثابة العمر، انطلقت بها ألسنتنا بالسلام عليه صلى الله عليه وسلم ودعاء الله عز وجل أن يجزيه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته، ثم السلام على صاحبيه وخليفتيه، الصديق والفاروق رضي الله عنهما، ورجعنا بعدها إلى المكان الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم (مابين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) نرتع بما يناسبه من دعاء وتفكر، وقراءة وتدبر، وصلاة، إلى أن صلينا الظهر وعدنا إلى المنزل.

وجاء للسلام علينا صديقنا الأستاذ الحاج محمد ابن اليمني الناصري، فآنسنا بزيارته وحديثه، ولم ينقطع عنا مدة عدة سنوات، فهنيئا له، وما تصلح تلك الأخلاق الطيبة إلا لطيبة المطيبة.

إذا لم تصب في طيبة عند طبيب به طيبة طابت فأين تطيب؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١١