تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الروحية. إن القوة، مهما قويت لا عجز عن أن تحقق لك أمنيتك، أما بالحب فأنت بالغ ما شئت. وهذه حقيقة نأخذها درسا من أحد الكتب المنزلة، من القرآن الكريم الذي يدعو إلى المودة والمحبة. كتاب ختم به الله كتبه المنزلة وأملاه وحيا على رسوله فصار كتابا للمؤمنين، لجميع المؤمنين على اختلاف أديانهم، يغترقون منه المادة التي تبعث النفس وتعيد لها الحياة.

والمدهش أن نرى الفيلسوف الملحد الريطاني «بيرنار روسيل»، يستعمل في حديثه إلى قرائه نفس العبارات والألفاظ التي استعملها الأنبياء والرسل الذين اختارهم الخالق سبحانه وتعالى لتبليغ كلمته بالحق والحقيقة. والله مصدر الحق والحقيقة، إذا فورن العلماء بغيرهم فهم لا يزيدون عن أطفال أكثر وعيا وذكاء ممن هم أكبر منهم سنا، إذا أرادوا مقارنة أنفسهم بالخالق في كلمته وسموه فسيسدون دودا بجانب شيء لا يقارن حتى بالعملاق. ولقد علم الله خطيئتهم التي جرهم إليها جهلهم فعفا عنهم عفو الأب عن أطفال حنين يحيدون عن طريق الصواب.

وبعدما نسجل هنا أنه لم يبق من أحد يجادل اليوم في السبيل العلمي الذي انتهى بتكوين العالم من عناصر: الغاز والمعادن والنبات والحيوان، وأخيرا الذكاء البشري الذي ينزل من كل ذلك منزلة القمة والتاج. بعد كل هذا نعود إلى ما قدمناه في أول هذا المقال من زعم المستر «ألان سلاتير» العالم الإنجليزي من شؤون الأحياء من أن الذكاء البشري قد حدث وجاء عرضا فنتساءل عما إذا كان الرجل قد فطن على التناقض الذي كان يقع في الأوضاع لو حدث ذلك الذكاء عرضا للكلب وبقى الإنسان غير متوفر إلا على غريزته وحدها؟ ولا أضرب المثل بهذا الحيوان إلا لما أراه من تعلق أناس به في حين يراه غيرهم، وما أكثرهم، أقبح الحيوانات غرائز، لو كان الإنسان مجردا من الذكاء والإدراك والتفكير لعاش ما يعيش الآن على أكل اللحوم والنبات ولبقي بتكوينه الجسماني أرقى مرتبة من الحيوان، ممتازا عن غيره من المخلوقات باستعمال قدميه ويديه في الإفلات من عدوه ومطاردة فريسته. هل يظن العالم البريطاني أن في إمكان الكلب وهو من ذوات الأربع، أن يروض ويستأنس الإنسان والحيوان؟ قد يجعله تكوينه وأرجله الأربع بتفوق على الإنسان في الجري والعدو، ولكن هل يستطيع أن يبني منزلا ويأوي إليه كالمنزل الذي بناه الرجل لسكناه وكالمعبد الذي شيده لعبادة ربه؟ هل كان يستطيع النطق والكلام بلسان، حنجرة وتكوين في الحلق لا ينتج إلا النباح؟ كلا، فما كان لهذا الحيوان الذي يوصف به بأنه رفيق الإنسان أن يأتيه الذكاء عرضا ومصادفة. وقد لا يرضى البعض على التمثيل بالكلب، ولكني جئت به عرضا ومصادفة وإلا فليس في إمكان القرد ولا أي حيوان آخر أن يتحلى عرضا ومصادفة به بما تحلى به الإنسان من ذكاء.

ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أراد للإنسان أن يكون ذكيا، مفكرا، مميزا للأشياء فأعطاه التكوين الجسماني الذي يعده للتفكير والتعبير خالقه وموهبه الذكاء، والتمييز، فالله سبحانه وتعالى قد ترك للإنسان -بعد هذه الهبة- الاختيار بين سبيلي الإيمان والضلال، علما منه جل شأنه أن الحقيقة ستتجلى لهؤلاء الضالين في أبهى مظاهرها وبأسطع أنوارها يوم تنسلخ أرواحهم عن أجسامهم لتقف ين يدي الخالد، خالق الأكوان كلها وجميع ما عليها.

هناك في عليين سيعض الملحدون أيديهم حسرة وندما على ما حرموا أنفسهم منه يوم كانوا فوق هذه الأرض، إيمانهم، بخالقهم وابتعادهم عن طريقه التي سلكها غيرهم. وسوف يكون ذلك الندم أقسى عقوبة للذكي المفكر الذي يجره ذكاؤه وتفكيره على الضلال، سوف تنكشف لهم خطاياهم يوم يرونها على ضوء ذلك النور الذي يشع على حياة الخلود، يوم تبدو لهم جنة الله تجري أنهارا حليبا وعسلا، ويرونها تزخر بثمار قد تكون كالثمار التي عرفوها فوق الأرض. يومذاك سيرون أن حواسهم الخمسة التي كانوا يقيسون بها الأشياء قد انقلبت على حالة واحدة تستمد منها الروح نعيمها كله.

وقد لا يترك المستر ألان سلاتير الأرض إلا بعد أن يكون تلاميذه يبذرون -بعده ومن غيران يشعروا- الشك في نفوس أشخاص متوهمين وموهمين غيرهم أنهم يسيرون على ضوء العلم الذي طالما أضل الأرواح. ومن يدري؟ فقد يكون ضلال البعض حجة على وجود الخالق وقد يكون زيفهم عن طريق الرشد بإرادة من الله ليجعل منهم درسا وموعظة وتمييزا بين من يحسن ومن يسئ استعمال ما وهب البشر من ذكاء وعقل وتفكير.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١١٧