إن مصدر التعنت الذي يصد علماء عن الاعتراف بالإله والتسليم بوجوده هو أنهم لم يروا إلا ثلاثة أرباع الحقيقة، فإذا قالوا «لا خالق ولا مخلوق، ولا انعدام لشيء موجود، ولا يمكن أن يبرز شيء من العدم» فهم مخطئون لأن الربع الرابع من الحقيقة قد غاب عنهم، لأنه أسمى من أن تصل إليه مداركهم، هو الجنة التي يعيش لها المخلوق ويؤمن بأن خالقه وخالقها ناقلة إليها من عدم كما نقله من عدم إلى هذه الحياة.
وأنا أحد أهل الإيمان، وبهذا الإيمان أقف ثابت القدمين فوق الأرض وارفع عيناي نحو السماء ناظرا ومتمليا في نهر المجرة، فيتلك المجموعة من الشموس التي تملأ بنورها ودفئها أكوانا وكواكب كما تملأ شمسنا كرتنا الأرضية نورا ودفئا، تتلو كل ذلك ظلمة أشد من الليل سوادا، الظلام المطلق الذي يستر أكوانا وعوالم أخرى بنجومها وشموسها، فأين المجهر الذي يستطيع أن يكتشف لنا عن سعة هذا الكون الذي لا تعادل كرتنا الأرضية منه حبة من رمال الشاطئ؟ لم يكتشف البشر ولن يكتشفوا المجهر الذي يرون منه الكون كله، لسبب بسيط وهو أن هذا الكون غير محدود، شانه في ذلك شأن الخلود الذي لا مقاييس له، لا بداية ولا نهاية، ولن يستطيع عقل بشري بلغ ما بلغ من العلم، أن يقدم فكرة ولو تقريبية عن سعة الكون ومداه ولا عن الوجود والخلود، وغنما يعرف ذلك خالق الكون وما خلق فيه وما له من الأشياء.
هذه الحقيقة القائمة عن الكون ومداه الذي لا يعلم ولن يعلم البشر بدايته ونهايته عرفها جميع العلماء، ولكن منهم من نسيها ومنهم من تناساها تعنتا منهم في التسليم بالإله الذي كان قبل أن تكون أية ذرة من تراب وأية نسمة من الهواء الموجود قبل وجود هذه الأكوان التي يقدرون عمرها بمليارات القرون.
وإننا لنتساءل بعقولنا البشرية: لماذا خلق الله هذه الأكوان كلها؟ وأريد أن أجيب، وأسعى إلى العلم ألتمس منه الثور الذي يهديني إلى الجواب فأجد لله نورا لا يبقى معه نور البشر إلا قنديلا بجانب مصباح وهاج.
إن أشد ما يدهش له من غمر الإيمان قلوبهم أن يروا الملحدين ينكرون خلق الخالق للدنيا من أجل غابات خاصة في حين يرون الناس يصنعون أشياء وأشياء لغايات خاصة كذلك، إنهم لا يفهمون أو يأبوا أن يفهموا أننا إذا كنا نعرف الغايات التي يخلق الناس من أجلها الأشياء فلأنهم منا ومثلنا، والغاية التي دعت بعضنا لصنع شيء ما غاية نشعر بها جميعا. أما إذا جهلنا الغاية التي خلق الله الدنيا من أجلها فذلك لأنها فوق إدراكنا وفوق تصورنا.
وانظر إلى هذه المباريات التي تقام حول لعبة الشطرنج، إما ترى لاعبا واحدا مبرزا يتبارى في وقت واحد مع أنني عشر لاعبا ويتغلب عليهم جميعا، إما تراه يدرك بملكته ومرانه تطور اللعب بمجرد ما يرى احد خصومه يحول بيدقا من موضع على موضع؟ فإذا بلغ الفرد من البئر هذه المقدرة في معرفة تطور اللعبة وتتبعها بدقة فكيف ينكرون على الإله مقدرة تسيير الأكوان ونقلها من ماضيها على حاضرها ونحو مستقبلها الذي صنعه هو لها؟
لقد خلق الله الإنسان حرا طليقا ولم يجعل له من رقيب على أعماله إلا ضميره، وترك له إلى جانب ذلك باب التوبة مفتوحا ليدخل منه مكفرا عن سيئاته إن شاء أو يمضي في ضلاله، وعلى قدر انقياده لصوت ضميره ونوازع الخير أو انغماره في الخطيئة بكون الجزاء، إن خيرا وإن شرا، ولكن أعمال البشر، مهما حسنت ومهما ساءت فلن تغير شيئا من الغايات التي وضعها الخالق للإنسانية، ما عاش منها فوق هذا الكوكب الأرضي أو فوق كواكب أخرى.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فما من مذهب مسيحي ينكر اليوم وجود مخلوقات أخرى من الكواكب المحيطة بنا أو البعيدة عنا، فالإله الذي أمد الأرض بالظروف والأحوال التي هيأت حياة المعادن والنبات والحيوان هو الذي هيأ ظروف وأحوال الحياة في البقاع الأخرى من دنياه التي لا بداية لها ولا نهاية. ولقد صدق احد العلماء الكبار الذين اجتمعوا بمدينة نيس من فرنسا لاستعراض أرائهم ومكتشفاتهم، فقد قال «لاشك أن هذه المخلوقات التي تعيش فوق كواكب أخرى تؤمن هي كذلك بالإله ولاشك أن لها هي كذلك رسلها وشرائعها المنزلة «ودياناتها»، ومن يدري فلعل تطورها الفكري قد دفع بها أني مزج تلك الديانات بعضها في بعض رغبة منهم في توحيد محبة الخلائق في الخالق ليصلوا عن طريقها إلى التوادد محبة الصادقة الروحية فيما بينهم، وليحققوا بذلك السلم الذي لإثبات له إلا إذا قام على الوحدة