دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 76
العلم والحياة
للأستاذ: بيير بوتي
تعريب الأستاذ محمد الدكالي
يقول المستر «ألان ستالير»، وهو عند قومه الإنجليز من كبار العلماء في شؤون الأحياء أن البشرية قد نشأت عرضا، وإن خلقها لم يكن بفعل فاعل. وعلى هذا فإن الذكاء الذي يمتاز به البشر عن غيرهم من المخلوقات قد جاء عرضا كذلك، وكان من الممكن أن يكون الناس كبقية الحيوانات.
ويرى الأستاذ «توريس كارانكين» الروسي من جهته إننا نقف اليوم على أبواب فجر ستتمزق في نهاره الحجب والأستار عن أسرار الحياة ومصدرها ومبعثها.
أترك جانبا أقوال هاتين الشخصيتين لأعود إليها بعد أن أثير بعض ذكريات من أيام شبابي، حين كنت تلميذا شديد التعطش إلى العلم والمعرفة، ملح الرغبة في فهم كل ما يطرق أذني أو تراه عيناي أو يخطر لفؤادي وذهني. كنت لا أفتأ أسأل أستاذي الشيخ تفسيرا لكل ما عجزت عن تفسيره بنفسي، وما زلت أذكر اليوم الذي قلت فيه لهذا الرجل الطيب الحنون، الواسع العلم، العميق الحكمة «يا سيدي أود أن أصير يوما ما مثلك سعة علم ومعرفة» موضع كفه العريض على رأسي الصغير، واخذ يتفحص عيناي بعينين ملؤهما الحنان والشفقة قبل أن يقول: «اليوم تراني عالما كبيرا، ولكنك ستتبين يوم تصير مثلي أو أوسع مني علما ومعرفة أنك ما تزال تتخبط في دباجير الجهل».
وقد وجب أن تمضي السنوات الطوال، أتسلخ فيها عن شبابي أو يتسلخ عني، ويتحول خلالها شعر رأسي من سواد إلى بياض لأرى كيف تتغلب في نفوس الناس غرائز الطمع والشرد والتيه على القناعة والتواضع. ثم أصل إلى مرتبة العلماء الإعلام، ولكني أقنعت نفسي بأن تقنع وتسعد بهذا الفهم الذي حبانا به الخالق سبحانه وتعالى، والذي قل أن نحسن استعماله والانتفاع به.
لقد رأيت أشياء كثيرة وعرفت أشياء كثيرة ثم نسيت أكثر ما عرفت ورأيت، وكانت الأفكار تتقاذفني وأنا منغمر في خضم الخلائق وتطاردني وأنا منزو في رواية لا أرى منها الناس ولا يرونني فيها. عشت فريسة تلك الأفكار الغامضة المتضاربة المضطرية إلى اليوم الذي أغمضت فيه عيناي واستبدلت البصر بالبصيرة.
كنت كجميع الشبان، شديد التلهف للتحرر، تحرير نفسي وروحي وجسمي من كل ما أراه عقبة تعترض سبيل أحلامي المندفعة في ثورة تزيدها فتوة الشباب حمية وحماسا واشتعالا. غير أني ما لبثت أن شعرت أني أسير نحو فراغ لا مجال له ولا حدود، وإن هذا الفراغ قد أخذ يشملني ويغمرني من كل جانب فداخلني فزع أوقفني لأفكر في أمري مليا. فتبين لي أن نجاتي في أن أولي الظهر لذلك الفراغ لأعود إلى النقطة التي بدأت منها السير والاندفاع.
فرحت بهذه العودة إلى نقطة البداية، بالإفلات من ذلك الفراغ الهائل المرعب الذي أوشكت أن أرتمي في هوته السحيقة، وعدت في الوقت نفسه باللوم على أولئك العلماء الذين حاد بهم الجشع والشره في المعرفة عن الطريق الموصلة إلى إلحاق جل شانه وهي أول الطرق، والسبيل الأول الموصل إلى معرفة الخلود الخالد.
لقد درست بلغات مختلفة أكثر ما قيل عن نشأة الدنيا والكون وكرتنا الأرضية فوجدت كل ذلك مصاغا في أسلوب علمي أمثل له بما جاء في كلام المستر «براون» العالم البريطاني الذي تخصص في البحث عن أصل الشعوب وأخلاقها «ليس من طبيعة الطبيعة أن تقفز، بل هو التطور الذي يقضي بأن تأتي الخطوة تلو الأخرى. وعلى هذا فلماذا لا يكون البشر الحلقة التي ختم بها الخالق جل شأنه سلسلة تطور الحيوان؟».