تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أقسم الله تعالى بقله (نون والقلم وما يسطرون) فذكر أدوات الكتابة، كما قال «وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين» وقال «بأيدي سفره، كرام برره» وسفره بمعنى كتبه.

ولهذا تعتبر الكتابة العربية حيثما وجدت دليلا على سيادة الإسلام وعظم تأثيره، ولما كانت هي الخط الذي دون به القرآن الكريم، فقد ظلت مقدسة في كل بلاد الإسلام وفي كل عصوره، وعندما انتشر الخط العربي في الإمبراطورية الإسلامية كلها أتيح له أن يصل في نحو أربعة قرون إلى جمال زخرفي لم يصل إليه خط آخر في تاريخ الإنسانية قاطبة، ولقد أصبحت الزخرفة الكتابية من أبين مميزات الفنون الإسلامية عامة، كما اشتركت فيها أمم الإسلام كلها، فعرفت ضروبا شتى من الخطوط العربية.

منها الخطوط اللينة أو المدورة مثل النسخ والثلث والرقعة والريحاني والديواني والمغربي وغيرها، ومنها الخطوط اليابسة مثل الكوفي بأنواعه، الكوفي البسيط والكوفي المورق والكوفي المضفر والكوفي المربع وغيرها.

وقد زين الفنانون المسلمون كل ما أخرجته أيديهم من المصنوعات وما شيدوه من العمائر بالآيات القرآنية والعبارات الدينية -وأصبح الخط عاملا مشتركا في جميع فروع الفن الإسلامي- نجده على الخشب والعاج، والخزف، والزجاج، والأقمشة والطنافس وجدران المساجد والقصور.

وكما شجع الإسلام على الخط، فقد حبب إلى الفنان الزخارف النباتية والزخارف الهندسية، فقد روى في صحيح البخاري أن رجلا أتى ابن عباس رضي الله عنه قال: «يا ابن عباس، إني إنسان إنما أعيش من صنعة يدي وإني صانع هذه التصاوير»، قال ابن عباس: «لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، سمعته يقول: من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا» فلما أصفر وجه الرجل قال ابن عباس «ويحك، أن أبيت إلا أن تضع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح»، وفي هذا الحديث توجيهان للفنان: الأول أن يعني برسم الشجر، أو بعبارة أدق برسم الزخارف النباتية، فابتدع الفنان المسلم نوعا من الزخرفة النباتية عرف باسم (الأربسك) أو (التوريق). والثاني أن يقبل على ما ليس فيه روح، فاهتم بالزخارف المعروفة باسم المقرنصات (1) من أبرز خصائص هذا الفن.

ولم يشجع الإسلام على النحت والتصوير، والواقع أن الفن الإسلامي لم يصل في فن النحت، أو صناعة التماثيل، على الدرجة التي سمت إليها كثير من الفنون السابقة عليه، كالفن اليوناني مثلا، وليس في هذا ما يؤخذ على الفن الإسلامي، لأن لكل فن بيئته التي نشأ فيها والعوامل التي تحكمت في نشأته، فلم يكن في بيئة العرب الصحراوية رخام يشجع على نحت التماثيل، وكان يحيط بالعرب قبل ظهور الإسلام فنان: هما الفن البيزنطي والفن الساساني، ولم يكن كلاهما يعنى بالتماثيل عناية الفراعنة أو اليونان أو الرومان بها، وعندما جاء الإسلام أعلن الحرب على الوثنية، واعتبر القرآن الكريم الأنصاب رجسا من عمل الشيطان، وعلى المؤمنين أن يجتنبوه، كما بينت الأحاديث النبوية إثم من يصنع التماثيل.

وبعد، فهذه هي العوامل الثلاثة الرئيسية التي استمد منها الفن الإسلامي أصوله وحدد بها اتجاهاته.

والواقع أن العالم المتمدن في القرون الأولى بعد الميلاد، كان قد سئم الفن اليوناني القديم الذي ينقصه التنوع والابتكار، وتطلع إلى تقاليد وأساليب فنية أعظم أبهة وأكثر حرية في الزخارف والموضوعات، وجد العالم المتدين تلك الأساليب الفنية المنشورة، عند الساسانيين أولا، ثم في الفنون الإسلامية بعد أن امتدت الإمبراطورية العربية واتسعت أرجاؤها وتسرب إلى الأوربيين فن جديد بل فنون إسلامية، أثرت بدورها في فنون الغرب تأثير لا يزال ظاهرا حتى اليوم.

(البقية في العدد القادم)

............ صور مرفقة .............

تشاهد في الـ pdf

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١٠٧