أثر الدين في الفن:
وعندما ورث الإسلام فنون البلاد التي اكتسحها جيوشه المنصورة، أثر الدين في مختلق نواحي الحضارة المادية، من صناعة وفن أثرا لا سبيل إلى إنكاره عن طريق: الحج، والوقف، والحسبة، وموقف الإسلام من فنون الخط والزخرفة والنحت والتصوير.
أما الحج، فهو أحد الصول الخمسة التي بني عليها الإسلام، وهو فرض على كل مسلم يستطيع القيام به دون إرهاق، أي أنه أمر للأغنياء بالسفر إلى مكة، حيث يجتمعون بغيرهم من المسلمين فيرون ألوانا شتى من الحضارة المادية، ممثلة في السلع المختلفة المصنوعة من القماش أو الخزف أو الخشب أو المعادن أو العاج، فيتبادل الحجاج هذه السلع عن طريق الإهداء أو التجارة، وقد يجتمع رجال الصناعة بعضهم ببعض ويتشاورون في طرق الصناعة لديهم، ويحملون معهم أسرار تلك الصناعات إلى البلاد المختلفة، فيؤثرون بذلك في موضوعاتهم المحلية، وهذا وفقا لقوله تعالى (وإذن في الناس بالحج يأتوك رجالا، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله).
والوقف، نظام نشا في الإسلام، استنادا إلى أحاديث عدة أثرت عن النبي، من أشهرها ذلك الحديث الذي ملخصه أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي يستأمره فيها، فقال له: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بريعها»، ومنذ عهد عمر ونظام الموقف مستمر، وقد اتسعت أغراضه فحسبت الأعيان على المساجد والمدارس والبيمارستانات، وعلى المساكين وعلى الذين وهبوا حياتهم للعلم أو للدين، والذي يهمنا من هذا النظام، هو أن أول قواعده هي عمارة الأعيان المحبوسة لضمان بقائها واستغلالها، فله الفضل فيما وصل إلينا من روائع العمائر والتحف الإسلامية، فضلا عما نجده في الوقفيات من وصف دقيق لهذه العمائر، وما نعثر عليه من اصطلاحات فنية، والحقيقة أن هذا النظام ضمن استمرار نشاط الصناع والفنانين، كما ضمن اضطراد حركة التطور في الفنون المختلفة، ولولا تلك الأموال التي أوقفت على العناية بالمنشآت، لضاع هذا التراث العظيم.
والحسبة، وظيفة أوجدها الإسلام عندما أدرك أنه لكي يستقيم أمر الجماعة لابد من إيجاد سلطة تلزم كل إنسان حده، ولا تترك مجالا للعبث بمصالح الناس، إرضاء لشهوة جامحة أو نزوة طارئة وقد استمدت وجودها من آيات قرآنية عدة نجدها مفصلة في كتب الحسبة، وقوام أعمال المحتسب، جميع ما يتصل بحياة الناس المدنية والدينية، فنجدها تدخلت في شؤون جميع الصناعات، ورسمت للصناع السبيل السوي، فللنساج والنجار والخزاف وغيرهم منهج خاص عليهم أن يتبعوه، حتى يأمنوا عقاب المحتسب في الدنيا وغضب الله في الآخرة، ولهذا أثره في تحسين المنتجات الصناعية والعمل على رفع مستواها، فخطت الصناعات الإسلامية بفضل إشراف المحتسب خطوات واسعة في سبيل الرقي قسمت عن دائرة الصنعة المألوفة إلى مستوى الفن الجميل.
هذا وقد وقف الإسلام مواقف سالبة وأخرى موجبة بالنسبة لأنواع الصناعات والفنون المختلفة، أدت إلى ابتداع الفنانين المسلمين لأنواع وطرز جديدة من المصنوعات والتحف.
فبالنسبة للأواني المصنوعة من الذهب والفضة، فالتحريم فيها ورد صريحا في الأحاديث -وإن لم يرد في القرآن- وقد كان هذا التحريم دافعا للصناع على ابتداع الخزف ي البريق المعدني الذي امتزجت فيه دقة الصانع مع عبقرية الفنان، والذي يتمتع من يستعمله بجمال الذهب ورونقه دون أن يخرج على أحكام الدين.
أما الحرير، فلم يحرم الدين لبسه كما يدعي كريسني خطأ، ولكنه نظم استعماله فأباحه للنساء دون قيد أو شرط، ورخصه للرجال إذا كان بالثوب قدر أصبعين أو أربعة من الحرير، وكان أثر ذلك ظهور طريقة «التابستري» في زخرفة المنسوجات، وكان من أثر هذا التنظيم، أن ملك المسلمون زمام صناعة الحرير وتجارته في مشارق الأرض ومغاربها في العصور الوسطى.
كما وقف الإسلام من فنون الخط والزخرفة والنحت والتصوير مواقف مختلفة.
أما الخط فقد آثره الإسلام برعايته، قال تعالى «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم».