دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 69
فن الحياة
للأستاذ: جمال الدين البغدادي
لا يختلف اثنان في أن الحضارة الإنسانية ف يتقدم مستمر سواء ذلك في الميدان الفكري أو ا لخلاقي أو المادي فلو قارنا بين حياة أجدادنا وحياتنا نحن أبناء القرن العشرين لوجدنا أن الفرق مدهش يدعو إلى الاستغراب والتعجب. إن الموظف المتوسط الدخل في ظرفنا هذا يتمتع بعيش أرغد ورفاهية كبيرة توفرها له شتى المرافق الحيوية العصرية من راديو وتلفزيون ومغسلة كهربائية ومنازل ذات التدفئة المركزية شتاء والتكييف الهوائي صيفا أمر لم يكن موجودا في العصور الغابرة ولا عرفه الملوك والأمراء ولا حلم به إثراء العصور السالفة. هذه حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد وبرهان لو أمعنا الفكر امتيازات زمنه لا زال في شقاء وبؤس وضلال. فلو أحصينا الجرائم وقارنا بين حوادث الانتحار بالأمس لوجدنا الأرقام في صعود مذهل مفزع نكاد نستنتج من جراء ذلك أن الإنسانية في تقهقر وانحدار نحو الهاوية المحتومة، فعلماء النفس والاجتماع يعرفون هذه الحقيقة المؤلمة ومن الرأي الشائع عندهم أن تعقيد الحضارة يزيد في اضطراب الإنسان أو بعبارة أصح أن هنالك اختلالا في التوازن بين المدينة والحضارة أي بين متطلبات الشؤون والمصالح المادية وبين مقتضيات النفس والروح، ارتفاع الخط البياني في الأولى وصل إلى ما دون القمة بقليل والخط المقابل دون الوسط بكثير، إسراف هناك وتقتير هنا فهل من سبيل إلى استرجاع التوازن المنشود وهل من أمل في تحقيق السعادة للبشر تحقيقا عمليا أكيدا؟ لا سبيل إلى استرجاع ما فات الإنسان من استقرار واطمئنان إلا بالسير حسب نظام معين مقنن. ومن الغريب حقا أن العقل البشري وضع القوانين والمبادئ الثابتة لكافة العلوم المادية ولم يتوصل بعد إلى نتائج جدية في العلوم الإنسانية؛ ربما كان السبب إن هذه معقدة متداخلة مائعة المضمون تختلف من فرد إلى فرد وطبيعة العلم الأساسية انه لا يقبل ما كان مشوشا مذبذبا ولا يضم في حضيرته إلا الواضح الشفاف العام الذي يشمل أكبر عدد ممكن من الحوادث والظواهر.
ولكن لنحذر الاسترسال في هذا المنطق ونستمر في التشاؤم إلى نهاية الطريق إلى اليأس من الإصلاح والوصول إلى حقائق لها بعض الاستقرار. لقد أصبح من المؤكد اليوم أن إدراك السعادة نفسها في متناول كل من له الرغبة الصادقة والمنتبه إلى أن السعادة هي في النمو الشامل لكافة الإمكانيات النفسية والجثمانية فمن يتعبد طول النهار ويهمل واجباته العائلية والاجتماعية لا يمكن أن يسعد في حياتهن ومن يمرن ويدرب عضلاته صباح مساء ويهمل تغذية عقله سيبقى إنسانا غير كامل فالنغمة الشجية تصح لحنا رائعا عندما يتكامل الوزن وتترابط أجزاؤه وهكذا نرى أن الحياة السعيدة مقدرة على النظرة الكلية الجامحة دون التفريط والإفراط، ثم السير في الطريق بوعي وتبصر، إن هذا الرأي الأخير هو خلاصة الفكرة الموجهة لكافة المذاهب التربوية الحديثة التي بات شغلها الشاغل الإعداد للحياة وليس لفرع منها دون الآخر، ويحق لنا أن نتساءل الآن بعد هذه الإنسانية المثلى، ما هو الدستور الحكيم بعد أن ادعى الدعوان أن الحياة فن وعلم وليست ارتجالا أعمى؟ بل أصحيح أن منهاج السعادة منهاج مستقيم والحياة دائمة التطور والتغير تتميز بالتبدل في كل حين؟ فما كان صالحا لي لا يعتبر كذلك بالنسبة لمن خالفت ظروفه بيئتي وتربيتي؟ لنحذر مرة أخرى هذه الفلسفة السفسطائية فإذا كان الخلاف حول التفاصيل فإن المبادئ العامة خالدة خلود