كالأفراد لا تستطيع أن تحيط بكل شيء، وأن طبيعة بلاد العرب وبداوتهم لم يكن من شأنهما أن يشجعا على ازدهار العمارة والفنون الزخرفية بين ظهرانيهم، وقد قامت بينهم فنون أخرى كالشعر والخطابة والأدب، كما استطاعت جحافلهم أن تخضع لسلطانهم الجزء الأكبر من العالم المعروف في ذلك الوقت، وفضلا عن هذا، فإن سنة الفنون واحدة، كل يأخذ من الفنون التي سبقته، ولا يمنعه هذا من تكوين شخصيته ومميزاته، فقد امتاز الفن الإسلامي بتنوعه العظيم، تنوعا أصاب نواحيه وأشكاله، وصناعاته وزخرفته وأقاليمه ورجاله، تنوعا بلغ من الشدة حدا يصعب فيه كثيرا، أن نجد فيه تحفتين متماثلتين، ومع ذلك فإنه يمتاز بوحدته، ويؤكد الدكتور ديماند في كتابه القيم عن الفنون الإسلامية، هذه الظاهرة العجيبة في الفنون الإسلامية وان هذا الفن العظيم الذي رضع في طفولته شتى اللبان، وهام بين مختلف أنواع الفنون والجمال، حتى استأثر بإعجاب العالم الأوربي، وغدا بدوره مصدرا من مصادر اقتباساتهم، وأقبل ملوك أوربا ورجال الدين فيها على ملء خزائن قصورهم وكنائسهم بروائع الفن الإسلامي، هذا هو الفن الإسلامي أوسع الفنون انتشارا وأطولها عمرا إذا استثنينا الفن الصيني.
وما كاد العرب يضعون عن كواهلهم عتاد الحرب، حتى تدفقت عليهم الثروة من كل حدب وصوب، وهموا يخرجون عن بداوتهم، ولكن أبا بكر وعمر كانا لهم بالمرصاد، فكبحا جماحهم ما استطاعا إلى ذلك سبيلا، ثم جاء عثمان وكان حييا لينا، فأفلت الزمام من يده، وكانت البيئات الجديدة التي استقر فيها العرب قد أخذت تؤثر في نفوسهم وتغريهم بالحياة المترفة، فاندفعوا مع التيار، وحرصوا على الاستمتاع بالحياة، فتأنقوا في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم، لقد كان مسجد المدينة أول مسجد يلبس ثوبا من الجمال الفني، على يد الخليفة الثالث عثمان بن عفان الذي أعاد بناءه بالحجارة المنقوشة والجبص، وجعل عمده من حجارة منقوسة وسقفه بخشب الساج وحسنه، وجعل منه أثرا فنيا جميلا، وهكذا ولد الفن الإسلامي على يد عثمان بن عفان.
وأقبل المسلمون في عصر الدولة الأموية على التشييد والتعمير، وقد اتخذ الأمويون دمشق عاصمة للعالم الإسلاميـ وكانت السيادة الفنية في عصرهم للفتيين السوريين، فكان طبيعيا أن تتحلى تحفهم ومبانيهم بزخارف الفن البيزنطي، وأصبح الطراز الأموي مرحلة انتقال بين الفنون المسيحية في الشرق الأدنى، وبين الطراز العباسي، ومع هذا فلم يخل من الأساليب الفنية الساسانية التي كانت مزدهرة في الشرق الأدنى عند ظهور الإسلام، وإن الآثار الإسلامية في الشام، وهي أقدم الآثار الإسلامية وجودا، تفصح بتصميمها وزخارفها عن امتزاج عناصر من الفن البيزنطي، بعناصر من الفن الساساني، حيث كان الفن الإسلامي الصحيح ما زال وليدا لم يستق عوده بعد.