وكان المصدر الثاني من مصادر الفن الإسلامي هو الفن البيزنطي، وكلمة بيزنطة من بيزنطيوم، التي كانت اسم ولاية إغريقية قديمة تقع على بحر مرمرة، منذ القرن الثامن قبل الميلاد. وقد ظلت حتى اختارها قسطنطين سنة 330 م عاصمة للعالم المسيحي بدلا من روما، وسميت العاصمة الجديدة «القسطنطينية» نسبة إلى مؤسسها. ومع هذا فقد ظل الاسم القديم مستعملا، إلا أن استعماله في هذه الحلة لم يكن يعني موقعا جغرافيا، بل لبس رداء الثقافة المسيحية التي بدأت 330 ميلادية حتى مجيء الأتراك العثمانيين في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، حينما دخلوا القسنطينية وسموها «إسلام بول» أي مدينة الإسلام.
وقد تضاربت آراء العلماء في تحديد زمان ومكان (الفن البيزنطي)، ونتج عن هذا التعقيد ما يسمى (بمشكلة الفن البيزنطي) واعتقد أن أحسن تعريف للفن البيزنطي، يتضح لنا إذا عرفنا أن الفن الإغريقي ينقسم إلى ثلاثة أساليب: الأسلوب القديم، من القرن السابع الميلادي إلى منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، ثم الأسلوب الكلابنيكي، من منتصف القرن الخامس قبل الميلاد حتى وفاة الإسكندر سنة 323 قبل ميلاد المسيح، وهو مصدر الفنون التي تلته مثل الفنون الرومانية وفنون عصر النهضة والفنون الحديثة، ثم الأسلوب الهلنستي الذي اتصل بفنون البلاد التي فتحها الإسكندر شرقا وانتشرت فيها الحضارة الإغريقية، وقد عاش حتى 30 قبل الميلاد، بينما يسمى الفن الرمزي الذي ولد في الإطلال من الميلاد حتى سنة 330 ميلادية بالفن المسيحي الشرقي.
وبعد الاعتراف بالدين المسيحي كدين رسمي للدولة سنة 330 ميلادية على يد قسطنطين، بدأ الفن الذي صهر الأسلوب الكلاسيكي مع الأسلوب الشرقي.
وقد ساعد الدين الجديد على هذا المزج، وعندما نقل قسطنطين معه من روما إلى بيزنطة روائع الفن الإمبراطوري الوثني، ظل الفن الجديد في بيزنطة قرنين من الزمان، حتى ساير روح الإمبراطورية الجديدة، فظهر الفن البيزنطي فعلا في القرن الخامس الميلادي وتم صوغه في منتصف القرن السادس على يد جرستنيان، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لهذا الفن، كما يتجلى في كنيسة أيا صوفيا بما فيها من قباب وفسيفساء وتصوير.
والغريب أن كثيرا من الغربيين حين ينسبون شتى العناصر الفنية الإسلامية، إلى بعض الفنون القديمة، يلحون في ذلك، كأنهم يعلمون على الحط من شأن العرب، والحق أن هذا ظلم فادح، فالأمم