تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 62

نشأة الفن الإسلامي وأصوله وتأثيره على فنون أوربا

للأستاذ عثمان عثمان اسماعيل

-1 -

نشأة الفن الإسلامي وأصوله:

خرج العرب من صحرائهم وليس عندهم من مقومات الحياة الاجتماعية، إلا عناصر بسيطة، وقد انتصروا بفئتهم القليلة وحضارتهم الساذجة على تلك الأمم العظيمة العريقة في القدم، وقد آثروا أن يبدأوا حضارتهم الجديدة من حيث انتهى السابقون عليهم، فلم تستخفهم نشوة النصر إلى القضاء على ما لم يكن مألوفا لديهم. بل ثبتوا أركان النظم التي كانت سائدة بين الأمم التي أخضعوها، ما دامت لا تتعارض مع المثل العليا للإسلام، يقول فيليب حتى في كتابه (تاريخ العرب) (فأبناء الصحراء قد ورثوا الحضارات القديمة وما فيها من تقاليد طويلة، ترجع على أيام اليونان والرومان، والإيرانيين والفراعنة واليابليين والآشوريين ولم يكن لدى العرب الأصليين أي شيء يعلمونه للآخرين وكان أمامهم كل شيء ليتعلموه، ولله ما كان أشدهم فهما، إن أولئك العرب المسلمين بما فطروا عليه من رغبة شديدة في العلم، وبما انطوت عليه جوانحهم من قوى كامنة، لم تثر بتاتا من قبل، قد بدأوا الآن بفضل تعاونهم مع رعاياهم، بفضل مساعدة أولئك لهم، يهضمون ويكيفون وينبشون تراثهم العقلي والفني). فعندما ارتاح الفنيون من أهل الذمة إلى تسامح العرب واعترافهم بمهارتهم الفنية، قام الفن الإسلامي على أسس من الفن الساساني في العراق وإيران، وعلى أسس من الفن البيزنطي ف يمصر والشام وبلاد المغرب، كما عاون الدين الإسلامي بما تضمنه من نظم وتوجيهات على نضوج هذه الحضارة، وسمو ذلك الفن، فكانت هذه هي الأسس الكبرى التي استمد منها الفن الإسلامي أصوله.

أما الفن الساساني الذي يعتبر مصدرا من المصادر الرئيسية للفن الإسلامي، فهو فن دولة الكاسرة، التي تعتبر أعظم الدول التي حكمت بلاد العجم قبل الإسلام، وكان لها في نفوس الفرس مكانة لا تدانيها مكانة.

وتنسب الدولة الساسانية، إلى ساسان، الذي كان قيما على معبد النار بمدينة اصطخر في إقليم فارس. وقد كان ابنه بابك، حريصا أشد الحرص على بعث القومية الإيرانية، التي كادت تموت بعد الفتح المقدوني، وقد نجح بابك كما نجح ابنه ازدشير، في التوسع على حساب جيرانه وتأسيس ملك عظيم عاصمته المدائن (التي تسمى في الكتب القديمة والكتب الأروبية المعاصرة (اكتسيفون). وقد يعد حكمه في الواقع ختاما لعهد الفوضى، ومبدءا لعهد مجيد، إذ عمل هو وخلفاؤه على تشييد عظمة إيران، تشييدا جديدا، وجعلوا من دولتهم في حسن السياسة وتقدم العلوم ونضوج الفن، مثالا صالحا استفاد به العرب على الخصوص، إلا أن الفن الذي أحيوه لم يكن إيرانيا خالصا كما كان من قبل، بل نسرب إليه الكثير من العناصر الفنية اليونانية، بالحضارة الشرقية، كما أن الحروب الطويلة بين الدولة الساسانية والدولة البيزنطية، كانت من عوامل التبادل الفني بين الدولتين، فتسرب إلى بيزنطة كثير من الموضوعات الزخرفية الإيرانية، ولم تلبث أن اندمجت هذه الموضوعات في الفن البيزنطي اندماجا تاما، ثم انتقلت إلى أقاليم البحر المتوسط، التي كانت تابعة للدولة البيزنطية في ذلك الوقت. كما تأثر الفن الساساني نفسه ببعض مؤثرات الفن البيزنطي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١٠١