والخدمات التي تقدمها الحكومة في هذه الحالة تعتبر أساسية للغاية وهي غير قابلة للتجزئة -كالدفاع والأمن الداخلي والقضاء، فلا يعقل أن تجزأ مثل هذه الخدمات على الأفراد حسب مقدار ما يدفعونه من ضريبة.
كما أنه لا يمكننا أن نقيس مدى استفادة كل شخص من وجود المحاكم أو رجال الأمن في البلاد التي يقطنها حتى نطالبه بمقابل لتلك الخدمة لأنها خدمات جماعية غير قابلة للتجزئة كما قلنا، وعليها ينبني انتظام حياة الجماعة.
كما لا يمكن أن يتهرب أحد من دفع الضريبة بحجة أنه لن يحتاج إلى القضاء أو رجال الأمن.
فالضريبة إذن لا تدفع مقابل نفع يعود على دافعها بالذات مباشرة، بل هي مساهمة إجبارية منه بصفته عضوا في هيئة سياسية معينة، وسلطة الدولة فيها مطلقة غير مشروطة.
وقد اتسع مجال الضريبة وتطور هدفها بمرور السنين، فبعد أن كانت في ظل الإقطاع وسيلة لتغطية نفقات السيد الإقطاعي أصبحت ثمنا للخدمات الجماعية التي تؤديها الدولة لصالح جميع أفرادها.
وقد كانت تعتبر في عهد الثورة الفرنسية قسطا يلتزم به المواطنون مقابل المزايا التي تؤديها الجماعة لهم، ثم أخذت الأجيال والنظريات الاقتصادية تؤثر على فكرتها الأساسية حتى أصبحت اليوم تعتمد على فكرة المقدرة على الدفع وانتفت بذلك فكرة المقابل التي كانت سائدة في نظرية مونتسكيو، فأصبح الهدف منها تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق إعادة توزيع الدخول والثروات، وذلك باقتطاع جزء من أموال الطبقات الغنية القادرة وتوفير الخدمات للطبقات الكادحة.
ولم يقف هدفها عند هذا الحد في تطوره بل صارت أداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في المجتمع -فهي تحد من الرواج الزائد (التضخم) وذلك برفع معدل سعر الضريبة- وتنشيطها فترات الكساد والركود (الانكماش) بتخفيض المعدل.
كما أن الضريبة عامل مساعد على حماية الصناعات الناشئة المحلية عن طريق رفع سعر الرسوم الجمركية (ضريبة غير مباشرة) ومنح تلك الصناعات إعفاءات ضريبية لمدة معينة، حتى تقوم وتنمو وتقف منافسة للصناعات الأجنبية.
وتعتبر أداة توجيه لرؤوس الأموال في شتى ميادين الاستثمار، إذ يكفي الحكومة أن تخفض سعرها بالنسبة للقطاع الخاص من النشاط الاقتصادي الذي تريد الحكومة التوسع فيه كنا أنها تستطيع أن تحد من مدى إقبال رؤوس الأموال على ميدان معين من النشاط وذلك برفع سعر الضريبة. والمثال على ذلك واضح، فعند ما تريد الحكومة التحول من النشاط الزراعي إلى الإنتاج الصناعي فإنها ترفع من سعر الضريبة على الأراضي الزراعية وعلى الحاصلات بينما تخفض السعر الضريبي بالنسبة للأرباح التجارية والصناعية حتى يقبل الممولون على توظيف رؤوس أموالهم في المشروعات الإنتاجية الصناعية ويقل إقبالهم على القطاع الزراعي.
ومن هذا نرى كيف أن الضريبة تدرجت تحت نظريات وفلسفات، حتى أصبحت في وقتنا الحاضر أداة للتوجيه الاقتصادي ووسيلة من وسائل تحقيق العدالة في المجتمع.
3 - القروض- (السلف)
إن الحكومات، كسائر الأفراد والمشروعات الخاصة، تقوم بالاقتراض إذا دعتها الضرورة إلى ذلك، على أن دواعي الاقتراض عديدة بل وتختلف باختلاف طبيعة النظام الاقتصادي السائد منها.
(1) فقد يكون النظام الذي تقوم عليه الدولة رأسماليا، وفي هذه الحالة تقتصر مهمتها على حفظ الأمن الداخلي والخارجي والتمثيل السياسي ومرافق القضاء أي (تلك الخدمات الأساسية).
(2) وقد يكون قائما على مبدأ تدخل الدولة في جميع المرافق حتى تكفل تحقيق التوظيف الكامل لموارد المجتمع من أيد عاملة وثروات طبيعية وخبرات فنية و ..
وهذه القروض التي تحصل عليها الحكومة قد تكون داخلية أو خارجية.
1 - داخلية: بمعنى أن الأفراد هم الذين يقومون بتقديم الأموال المدخرة لديهم إلى الحكومة مقابل الحصول على سندات تكون في الغالب معفاة من الضرائب على أن معدل ربحها يكون أقل من سعر الفائدة السائد في السوق، وهذا أمر طبيعي ما دامت معفاة من الضرائب، لأن سعر فائدة الأوراق المالية الأخرى يكون مرتفعا حقا لكنها تخضع للضريبة، وبذلك ينخفض سعر الفائدة الحقيقي الذي يحصل عليه المستثمرون.