على أن هناك ما يسترعي انتباهنا عند الحديث عن اتساع المجال الاقتصادي للدولة والدعوة إلى المزيد من تقديم الخدمات عن طريقها، وهو مدى المقدرة الإنتاجية أو الكفاية الجدية للمشروعات الحكومية في تأدية خدماتها بأقل النفقات .. إذ الملاحظ أن المشروعات التي تديرها الحكومة لا تعادل عادة المشروعات الخاصة (التي تديرها الهيئات) في حيويتها ونشاطها، وتعتبر أقل منها مقدرة على النمو والتقدم .. لأن دافع الربح ينعدم في الأولى بينما يبرز في الثانية، ونحن نعرف جيدا أن الهدف الرئيسي للمشروعات الخاصة هو تحقيق أكبر ربح ممكن، ومن أجل تحقيق هذا الربح تقوم بضغط نفقاتها ومسايرة التطورات الحديثة بل وتلافي أي تكلفة غير مرغوب فيها ومحاولة تحقيق الوفور بجميع صورها.
ومع ذلك فالمشروعات الحكومية ضرورية ولازمة بل نجدها تقوم بخدمات لا تستطيع الشركات الخاصة القيام بها إما لأنها لا تدر ربحا يشجع .. أو لأنها تكلف رؤوس أموال طائلة لا طاقة للمشروعات الخاصة بها ..
وحتى لا نتشعب في الوظائف التي يجب أن تقوم بها الدولة وآثارها نعود إلى المصادر التي تعتمد عليها في التمويل ونعطي لكل بند شيئا من التبسيط حتى نستخلص فكرة موجزة عنها.
1 - إيرادات ناتجة عن بيع السلع والخدمات
تقوم الحكومة بواسطة شركاتها بإنتاج بعض السلع أو تقديم بعض الخدمات لإمداد الجمهور المستهلك مقابل ثمن عام.
ويمكن تقسيم السلع والخدمات التي تقدمها الحكومة وتدر دخلا لها على ثلاثة أقسام:
أ- السلع والخدمات التي تعتبر حكومية بطبيعتها والتي لا يمكن تركها للأفراد:
كرخص قيادة السيارات، ورسوم الرخص التي تمنح للصيادين ورسم نقل أو قيد الملكية العقارية.
ولما كان عنصر المنفعة الشخصية المباشر يتوافر لهذا النوع من السلع والخدمات (أي أن الفرد يستفيد مباشرة منها) فإن الحكومة تطالب الأفراد المستفيدين بالمساهمة في النفقات، بشرط ألا يؤدي ثمن هذه الرسوم إلى تقييد الانتفاع بهذه المنتجات الممثلة في الخدمات والسلع وحصره على الطبقات الغنية دون الفقيرة.
إذ لابد أن يكون توزيعه عادلا واقتصاديا حتى تستفيد منه الطبقات.
ب- السلع والخدمات شبه التجارية:
وهي تلك التي يمكن أن يقوم بها الأفراد (القطاع الخاص) كما يمكن أن تقوم بها الحكومة (القطاع العام)، وهي تفيد المجتمع بقدر ما تفيد الفرد نفسه، مثل التعليم ونشره لا يفيد الفرد في حد ذاته، بل يحقق للدولة قدرا كبيرا من الفائدة الاجتماعية، وعندما تقوم به الحكومة تكون درجة الضمان أكبر، إذ يتسنى لكل الطبقات الحصول على العلم ولا يبقى احتكارا للأغنياء.
ج- السلع والخدمات التجارية البحتة: -
مثل سائر المنافع العامة كالكهرباء والمياه والمواصلات والتلغراف والتليفون، وغالبا ما يكون الدافع لقيام الحكومة بهذا النوع من النشاط بالذات هو استبعاد حالة المنافسة وما قد تنطوي عليه من تبديد في موارد المجتمع، كما لو قامت عدة شركات للسكك الحديدية تخدم نفس المنطقة فهذا ينطوي عليه تكرار الخطوط الحديدية وإغراق رؤوس أموال ثابتة كبيرة في إنشاء الخطوط والمحطات .. فالاحتكار الحكومي إذن في هذه الحالة يحقق اقتصادا في رأس المال وخفضا في التكاليف، ويضمن بالتالي تحديد الثمن عند حد يتفق وحالة المستهلك ..
ويجب أن تكون الأثمان والرسوم هي أفضل وسائل التموين لمثل هذه المشروعات على أن تجبى بطريقة تكون نفقة الجباية أقل ما يمكن.
2 - الضرائب:
هي أهم طريقة لتمويل الإنفاق الحكومي، فهي مساهمة إجبارية من الأفراد في أعباء الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة ضمن برنامجها في السياسة المالية، فتتحول بذلك القوة الشرائية من الأفراد إلى السلطة العامة، فتقوم هذه الأخيرة بتأدية الخدمات العامة دون مقابل مباشر من الأفراد.
وتتصف الضرائب بصفة الإجبار والإكراه، إذ ليس للأفراد حق الاختيار بين الدفع أو الامتناع ما داموا قادرين على المساهمة.