تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومستقبل النشء الذين يكونونه فإن الوزارة أولى أن تعمل على رفع مستواهم بإعطاء شهادة الكفاءة المكانة التي تستحقها، وإلا فإن ترسيم كل معلم يجهل الحساب والعلوم سيكون معناه أننا سنضحي بأجيال من ناشئتنا طالما كان هذا المدرس يكونها.

ويجب أن تزاد مدارس المعلمين حتى تسع اكبر عدد ممكن من الطلاب مع تمديد مدة التدريب إلى ثلاث سنوات كما تقدم.

أما مشكلة الكتب، فهي مشكلة أشبه بالخيال منها بالحقيقة، إذ يكفي تكوين لجان من المربين الأكفاء، لتضع لها حدا في ظرف قصير ثم أن الوزارة أحوج ما تكون الآن إلى أحداث قسم للتأليف والترجمة والنشر، يسهر على إعداد وتعريب الكتب الدراسية والقصصية والأدبية التي تساير مراحل التعليم المختلفة، فخزائن مدارسنا تشكو فقرا مهولا في الإنتاج المغربي، ولا أظن أن هذا الإنتاج المغربي، ولا أظن هذا الإنتاج سيتحسن أو يتسع مداه ما لم تأخذ وزارة التربية بيده، وترصد لتشجيعه المبالغ الكافية، ويجب أن يسهر على هذا القسم أشخاص تتوفر فيهم شروط الأمانة والغيرة الوطنية، والعمل المتوصل لا الذين يتخذون منه طريقا إلى الثروة أو يجدون فيه وسيلة لقتل الوقت، وما أكثر الكسالى بين الذين تناط بهم المسؤوليات، ونظرة واحدة على الكتب والنشرات التي ترد على خزائن المدارس الثانوية باللغة الفرنسية تكفي لأن تحرك فينا روح الغيرة وتذيبنا خجلا، وقد كنا نحمل الاستعمار مسؤولية فقرنا في الإنتاج، فماذا دهانا الآن وقد تخلصنا منه؟.

وخلال المرحلة التي نجتازها لتعريب التعليم الابتدائي سيكون لدينا مجال واسع لإعداد أساتذة في العلوم والرياضيات باللغة العربية، على أن نستعين في تكوينهم بأساتذة من الشرق، لكن ليس يليق بنا أن نترك للأجانب تدريس التاريخ والجغرافيا اللذين يسهل تعريبهما منذ السنة القادمة، ويتوفر الشرق على أساتذة كثيرين لهاتين المادتين، على أنه يمكن اختيار مدرسين مغاربة للتاريخ والجغرافيا ولو بواسطة مباراة بتعريب المادتين المذكورتين سيكون من ورائه نتائج ذات أهمية بالغة:

1 - ستزداد ثروة التلاميذ اللغوية بتلقي دروس التاريخ والجغرافيا بالعربية.

2 - إن طريقة تدريس التاريخ والجغرافيا لدى المغربي أو المدرس العربي، هي غير طريقة المدرس الأجنبي، فبينما الأول يصور للتلميذ عظمة تاريخ أجداده وقيمة بلاده الجغرافية، يحاول الثاني غالبا أن يصور للطلاب عظمة وطنه هو، ويبرز أهميته الجغرافية وبين الطريقتين بون شاسع، ونحن على كل حال أحوج إلى تكوين جيل يؤمن بمغربيته وعروبته منا إلى تكوين نشء بقدس تاريخ قوم ليس منهم وليسوا منه.

3 - سيشعر التلاميذ بان الوزارة بتعريب التاريخ والجغرافيا تعطي الأهمية التي تستحقها وسيقتنعون بأن الدولة تتطلب منهم أن يقدروا قيمة هذه اللغة.

هذا فيما يرجع على ميدان التعليم، أما فيما يخص الميدان الإداري فأجهزة الدولة كلها تشكو التهاون في التعريب، فما معنى إعداد محاضر الشرطة مثلا بالفرنسية؟ وما قيمة الدروس العربية الأجنبية تسيطر في كل مكان: في أسماء الشوارع والأزقة وفي لغة التخاطب وفي البلديات ومصالح الدولة والمؤسسات والشركات.

وأعتقد أن وزارة التربية الوطنية أولى الوزارات بإجبار المسؤولين والموظفين على احترام لغة البلاد، وذلك بنشر جميع الرسائل والقرارات والمنشورات باللغة العربية، ولا ينشر باللغة الأجنبية إلا ما كان خاصا بالأجانب وحدهم.

عن هناك حقيقة يجب أن نعرفها جميعا: أن الأجانب كلما رأونا نضع اللغة العربية في مرتبة ثانوية توهموا أنها عاجزة عن القيام مكان اللغة الأجنبية، وكلما رأوا مواطنين مغاربة يقدسون اللغة الأجنبية على حساب العربية، شعروا باعتزاز في أنفسهم، ولكنهم في الواقع يحتقرون هؤلاء المواطنين المتنكرين لعروبتهم.

وإذا كانت قضية التعريب أول قضايا التعليم التي تستدعي حلا عاجلا، فليس معنى ذلك أن الدعاة إلى التعريب يكرهون اللغة الأجنبية ويتعصبون للعربية تعصبا أعمى، وإذا كانت المعاملات الإدارية تحتاج إلى تعريب شامل، فإن هذا لا يعني أنه يجب أن يبعد الأشخاص الذين لا يتقنون غير الفرنسية رغم كونهم مغاربة، فالمسؤولون منهم يمكن أن يحيطوا أنفسهم بكتاب يتقنون العربية، عوض المئات العديدة من الأجانب الذي يخيل إلى أننا نضحي بلغتنا القومية من أجل كثير منهم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٩١