ترجم كتبا عديدة ولا سيما للكندي والفارابي والغزالي وابن سيناء، وكان يساعده في ذلك رفيقه دومينغو غوند يسلافو ( Dominggon dislavo) وقد ذكر مؤرخ العلوم المعاصر سارتون ( Sarton) أن هذين المترجمين ترجما كتابا في الطب وثلاثة عشر كتابا في الفلك وكتابا في الرياضيات وسبعة كتب في الفلسفة ومن أشهر الكتب العربية التي ترجمت كتاب الجبر للخوارزمي على يد الانكليزي روبيرت من شيستر
( Robert of chester) وذكر سارتون المترجم جيرار الكريموني: ( Girard Dierémons) ترجم سبعة وثمانين كتاب من العربية على الاسبانية ومن أهم الكتب التي ترجمها جيرار كتاب (التصريف) لأبي القاسم الزهراوي، ذلك الكتاب الذي بقى أساسا في الدراسات الطبية في جامعة أوكسفورد حتى سنة 1778.
والشيء الذي يجب الإشارة غليه في هذه الحركة إن القائمين عليها وقفوا أمام العلم العربي والحضارة الإسلامية مشدوهين حيارى وظنوا في أول الأمر أنهم يعجزون عن مضاهات العرب في علومهم وحضارتهم ولكن الشعور بالواجب القومي دفع العاملين على الترجمة إلى مواصلة السير مؤمنين بصلاحية لغتهم لمسايرة التطور الحضاري، بل لم يضرهم أحيانا أن أخذوا بمصطلحات عربية بعينها، وهاكم بعض الأمثلة على أقول: ففي ميدان الفلك نذكر العقرب ( Aerab) والجدي ( Algédi) والطائر ( Altaïr) والذنب ( Deneb) وابط الجوزاء ( Betelgeuse) والسمت ( Zémith) والنظير ( Nadir) وفي ميدان الرياضيات نجد الجبر ( Algèbre) واللغاريتم ( Logarithme) والصفر ( Zéro) و ( Chiffre) التي تدل على الرقم. وفي مجال الحياة الاجتماعية نشير إلى هذه الكلمات التي تدل على الرقم. وفي مجال الحياة الاجتماعية نشير على هذه الكلمات التي تدل على مدى تأثير العرب في حياة الأوروبيين الاجتماعية، فهناك القبة ( Coupole) والقطن ( Coton) والقطران ( Goudron) والجلاب ( Juleps) والشراب ( Sirop) والشربة ( Sorbet) وأمير الماء ( Amiral) والكحول ( Alcool) والتعرفة ( Tarif) وحتى الألعاب الرياضية لم تعدو تأثرا، ولربما استغرب القارئ إذا علم أن كلمة ( Raquette) الفرنسية من أصل عربي هو الراحة!. وكل هذا قليل من كثير وينتظر من التاريخ أن يكشف عن أشياء أخرى في المستقبل.
إذن فالثقافة ليست مقصورة على قوم دون آخرين وإنما هي أنتاج شارك في تطويره جميع البشر حتى وصل إلى الذرة والأقمار الاصطناعية، وما اللغة إلا وسيلة من وسائل التعبير، يتخذها قوم ليتميزوا بها عن سواهم أو كل قوم يجلون مآثرهم ومفاخرهم بلغتهم، فماذا أعددنا لأنفسنا وماذا اعددنا لأجيالنا القادمة؟ أن في مثال اسبانيا برهانين، فمن جهة عرفنا أن اللغة العربية ليست لغة أدب وفقه فحسب، ومن جهة أخرى شرحنا كيف واجه الاسبان مشكلة سيطرة اللغة العربي ة على سائر مرافق حياتهم الحضارية والعمرانية وقاموا ينقلون ويترجمون إلى لغتهم جميع ما وصل إليه العلم العربي من درجة ورفعة، ويمكن القول بالنسبة للأزمة التي تعانيها الثقافة في المغرب بأن مرحلة الترجمة قد طواها إخواننا العرب في المشرق فلم يبق علينا إذن إلا تبني جميع المصطلحات التي أوجدتها المجامع اللغوية في كل من القاهرة ودمشق وبغداد، ولم يبق إلا الإيمان بأن لغتنا غنية، جدا، وأن في إمكانها أن تعالج جميع الأفكار قديمها وحديثها.
فعسى أن يجد هذا المقال آذانا صاغية وقلوبا واعية فيقبل شبابنا بجد على دراسة اللغة العربية لكفالة الانسجام في التفكير بين أبناء الوطن الواحد، وإذ ذاك سنضع اليد في اليد لنتعاون جميعا على بناء أركان المجتمع المغربي الحديث على أسس قومية وعصرية في آن واحد، وما ذلك على أولى العزائم الطبية والإرادات الحسنة بمستحيل.
عبد الحق بنيس
مجاز في التاريخ من جامعة دمشق