الذي يعترف بالتغير المستمر للأحوال لإبقائها على حال واحدة؟ أن المسألة مسألة صراع بين لونين من الثقافة، ثقافة دخيلة تحاول أن تظهر على ثقافة أصلية ولكنها تحتاج إلى من يسنح عنها غيار الخمول لتعود إلى عهدها الذهبي، وقت أن كانت لغة العلم والحضارة والعمران، إذن فنظرة قصيرة إلى التاريخ كفيلة بأن توضح للغافلين مدى خطأ رأيهم وقمينة بأن تنبههم إلى مدى قوة اللغة العربية وقدرتها على الاستيعاب سواء تعلق الأمر بالأفكار القديمة أو بالحديثة، فالسر كل السر في الرجوع على التاريخ، والأمة التي تهمل تاريخها مثلها كمثل الفرد يفقد ذاكرته فيهيم على وجهه تابعا التيار الذي يجتذبه لا يدري أين يسير وإلى أين يقصد! فإذا رسخ في ذهننا ذلك قلنا عن هؤلاء الذين يحكمون على اللغة العربية بالجمود، بأنهم فاقدون لذاكرتهم غير وأعين من شؤون أمتهم أمرا.
ثم إننا إذا اتفقنا مع مؤرخنا العظيم ابن خلدون -وما أخالكم تعارضون- في وجوب الاعتبار بالتاريخ، كما يفهم من مؤلفه الضخم، «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار المغرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» جاز لنا أن نذكر بحوادث وقعت في الماضي لأمة أصابا ما أصابنا اليوم من سيطرة لغة أجنبية على لغتها الأصلية، وكيف أنها استطاعت أن تتغلب على الصعاب -وأن تسترجع شخصيتها القومية التي كانت في طريق الضياع، ففي مستهل القرن الثامن للميلاد استطاع العرب المسلمون أن ينطلقوا من جزيرتهم المحدودة الآفاق إلى تأسيس امبراطورية شاسعة على أنقاض امبراطوريتي الفرس والروم (أو البيزنطيين) حتى وصلت الفتوح إلى بلاد الصين شرقا وإلى أواسط فرنسا (بواتييه) غربا، ورافق ذلك الفتح العظيم حضارة متلائمة الجوانب موطدة الأركان، أثارت بسناها الظلمات التي كانت مخيمة على أوربا آنذاك، وفي هذا الصدد يقول الدكتور عبد الكريم الباقي الأستاذ في كلية الآداب من جامعة دمشق -في كتابه «تمهيد في علم الاجتماع» ص 121، ما نصه: ( ... وكانت أوربا جميعها في ظلمات دامسة، على حين كان العرب ساسة الدنيا وهداتها، ثم اتصل الأوروبيون بالعرب في مناطق مختلفة فوجدوا الفرق كبيرا بين النور والظلام، وبين العلم والجهل، وبين التقدم والتأخر، فاقتبسوا جذى من النور والعلم والتقدم، وحملوها إلى بلادهم وتعهدوها بالرعاية والعناية والإيقاد، حتى خرجوا من الوهدة التي كانوا فيها إلى الدرجة التي صاروا عليها، على حين شرع العرب بالتواري والانحدار حتى بداية تنبههم الحاضر ووعيهم الحديث ... ) من هذا الكلام يتضح لنا أن الحضارة الغربية ليست كلها من صنع الغرب وإذا رجعنا على أساسها وجدناه إسلاميا في شتى مظاهره، ولقد أصبح من حقائق التاريخ الناصعة أن علوم العرب من طب وفلك وفيزياء وكيمياء وفلسفة وموسيقى -كما أثبت مؤخرا الأستاذ محمد الفاسي عميد الجامعة- هذه العلوم انتقلت كلها إلى أوروبا بواسطة عرب الأندلس وعرب صقيلية وبواسطة الاحتكاك الذي حصل بين الشرق والغرب في زمان الحروب الصليبية، إلا أن أهم واسطة لها علاقة ببحثنا هي الأندلس، تلك الأرض التي اشتهرت بحضارتها وعمرانها عبر التاريخ، إن حالة الأندلس (أو اسبانيا الوسطى والجنوبية) في القرنين التاسع والعاشر وما بعدهما، فقد شابهت إلى حد كبير حالة المغرب في الوقت الراهن، فكما دخلت الجيوش العربية غازية فاتحة -مع الفارق في الهدف طبعا- محاولة فرض الشخصية العربي أزمة خانقة كذلك حصل للغتنا إزاء المستعمر، وهذه هي النقطة الجديرة بالملاحظة في هذه الحوادث التاريخية، إذ أتى على اسبانيا حين من الدهر سيطرت فيه اللغة الاسبانية واللغة اللاتينية من جراء الفتح العربي أزمة خانقة كذلك حصل للغتنا إزاء المستعمر، وهذه هي النقطة الجديرة بالملاحظة في هذه الحوادث التاريخية، إذا أتى على اسبانيا حين من الدهر سيطرت فيه اللغة العربية على كل مرافق حياتها، وأضحى طالب العلم من الإسبان لا يتسنى له أن ينال حظه الوافر من الثقافة الصحيحة إلا إذا انكب على دراسة اللغة العربية لأن المؤلفات العلمية كانت كلها بالعربية، وكانت اللغة القشتالية أو اللاتينية قابعة في الأديرة والكنائس لا تتعداها. وقد حز ف ينفس رجال الكنيسة أن تحتل العربية المقام الأول في اسبانيا، وخافوا على الشعائر الدينية من الضياع، فنظموا حملة واسعة النطاق للتنديد بهذا الخطر المحدق وكرسوا الجهود لنقل جميع المؤلفات العربية إلى لغة البلاد الأصلية، فهذا جربرت (( Grbert الذي تعلم في جامعات المغرب (القرويين) والأندلس والذي تربع على كرسي البابوبة باسم سلفستر الثاني ( Silvedter II) يقوم حوالي سنة (930) للميلاد وينقل الأرقام العربية إلى أوروبا فحلت محل الأرقام الرومانية المعقدة، وبذلك سهل علم الحساب وتوطدت أركانه عند الغربيين وهذا أسقف طليطلة الدوق ريموندو ( Don Rimondo) في القرن الحادي عشر للميلاد، يقوم بجمع العلماء في ظلال قصر الزهراء ويطلب إليهم ترجمة الكتب العربية ثم يدخل تدريسها في برامج التدريس المسيحية، وعلى سبيل المثال نذكر من المترجمين حنا الإشبيلي الذي