تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مزدوجة، أي بلغتين إحداهما خاصة بالعلوم وهي الفرنسية، وثانيتهما خاصة بالآداب والمباحث الدينية وهي العربية وهذا ما يوافق بلدا كالمغرب، له روابط ثقافية وتاريخية بفرنسا» -على تعبير محدثي- ولشد ما كان استغرابي عظيما من هذا التصنيف الفريد من نوعه، ولهذا المنطق الصادر من مواطن يتمتع بحظه الوافر من الثقافة والمعروفة!

ولما كنت من أولئك الذين عاشوا ف يكنف الدراسة المحررة من قيود البرامج الأجنبية، بدافع المحافظة على لغة البلاد الأصلية، كان لزاما على أن أتصدى للرد على صاحبي مدافعا ومنافحا عن خطل هذا الرأي الذي لا يطابق الحقائق العلمية والوقائع التاريخية. والحقيقة أن هذا الصديق يمثل نوعا من التفكير المستولى على طائفة من الشباب المغربي الذي زوال دراسته الثانوية والعليا في المعاهد والجامعات الأوروبية. تلك الطائفة التي تجهل الشيء الكثير عن ثقافتها القومية وتاريخ بلادها الحافل بالأمجاد والمآثر.

وقبل أن اشرع في الرد على هذا الرعيل من أبناء المغرب المثقف، يجدر بي أن أحلل فكرتهم بشيء من التفصيل، وعندئذ نحكم عليها أما بالصواب أو بالبطلان متبعين في ذلك منهجا علميا يتصف أول ما يتصف بالتجرد عن الأهواء والعواطف ويبتعد عن الغرض والتحيز إلى جانب معين أو هدف مقصود. لذلك فإن (المعتدلين منهم) -أقول المعتدلين، لأن هناك فريقا ينكر على العربية وجودها في المغرب من حيث الأساس وسوف لا أرد هؤلاء لأنهم لا يعترفون إلا بمنطق العاطفة- فالمعتدلون يقررون أن اللغة العربية إنما هي للأبحاث الأدبية والدينية ليس غير، فهي تصلح للتعبير عن عواطف ذلك الرجل العربي الذي كان يعيش في صحراء مترامية الأطراف محدودة الآفاق، ذلك العربي الذي امتاز بعدم الاستقرار والتنقل بخيمته من مكان إلى آخر باحثا عن العشب والكلأ ... وحتى إذا دعاه المطاف إلى الاستقرار في قرية أو مدينة، كان همه أن يتعلق بأدبه لذي جاه أو نفوذ ليكتسب بأدبه ويعيش عليه، أما بقية شروط الحضارة العربية فهي عارضة ف ينظرهم لأنها تتبع الحاكم بأمره، فإذا قويا ساد الأمن والنظام، وإذا غاب تهدم بعده أركان البناء الشامخ الذي شيده فتسود الفوضى من جديد وينتظر العرب منقدا جديدا ... إلى آخر ما هنالك من نظريات تلقوها عن أساتذة خبراء في فن تسميم الأفكار وهكذا إذا جادلتهم في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور، أجابوك بأنه من المستحيل على العربية أن تستجيب لمقتضيات التطور العلمي الحديث، إنها ثقافتهم الأجنبية التي علمتهم أن يتنكروا لشخصيتهم التاريخية وكأنهم ليسوا عربا وكأنهم ليسوا مغاربة .. أقول هذا لأنهم ينظرون بعين الإكبار إلى لغة (روسو) و (فولتير) في حين أنهم ينظرون بعين الازدراء إلى لغة امرئ القيس وأبي تمام!

أقول ذلك لأنهم يدافعون عن اللغة الفرنسية بكل حرارة وكأنهم من أبنائها البررة، في الوقت الذي يترحمون فيه على لغة الأجداد التي لا تصلح ف ينظرهم إلا للأدب والفقه!

أقول ذلك لأنهم يحبذون أن تحتل الفرنسية المقام الأول في البلاد، ويرضون عن احتلال العربية للمقام الثاني.

هذا ما يريده بعض أبناء المغرب للعربية وهذه هي الفكرة التي يحملونها عن العربية! وإني لست هنا بصدد الرد على هؤلاء بالعاطفة أيضا وإنما بالحجة وبكل موضوعية:

لا ينكر أحد في الوقت الراهن أن اللغة العربية تندب حظها في المغرب، وإنها تعاني أزمة خانقة، ولكنني أنكر أن تتصف هذه الأزمة بالديمومة، فهي أزمة عابرة جاءت نتيجة لنظام استعماري هادف إلى طمس معالم حضارتنا ليسهل عليه فيما بعد ضمنا للاتحاد الفرنسي فلما زال السبب -وهو النظام الاستعماري- كان من الطبيعي أن تسير الأزمة إلى الزوال، ولكن مما يؤسف له أن رواسب العهد البائد لا زالت تلعب دورها، ولا زالت السموم التي تنفثها الاستعمار تعمل عملها في العهد الحاضر، عهد الاستقلال. هذا ما أقصده بالأزمة التي تعانيها الثقافة القومية في المغرب، إذ كيف لا يقتنع أفراد الشعب بصحة دعوى صديقي وهو يروي ما تحتله لغة الدخيل من شأو وما تلاقيه لغة البلاد من اضطهاد؟ كيف لا يقتنعون بصحة الدعوى وهم يرون الموظف المغربي يصرح بأنه لا يمكن الاستغناء عن اللغة الفرنسية في الإدارة وإلا توقف الدولاب وأصبحنا في حيص بيض.

تلك مظاهر بارزة للأزمة التي تعانيها الثقافة القومية في المغرب، ولكن هل نتخذ من هذه الأزمة دليلا على عدم صلاحية لغة بلادنا لمسايرة التطور؟ ما دام في الإمكان تغيير الواقع، وإلا فما قولكم في قانون التطور التاريخي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٨٧