دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 47
أزمة الثقافة القومية في المغرب
للأستاذ: عبد الحق بنيس
من المشاكل التي تقلق بال المهتمين بشؤون الثقافة والتربية الوطنية في المغرب، مشكلة توحيد التعليم وتعريبه، وإعطاؤه صبغة قومية، تتناسب والبيئة المغربية والتاريخ المغربي. وقد كثر الحديث عن هاته المشكلة، بمناسبة افتتاح السنة الدراسية الحالية، سواء في الصحف والمجلات أو في الإذاعة أو في كواليس وزارة التربية الوطنية ذاتها. والحقيقة أن الجميع متفق على أهمية المشكلة وخطورتها لما لها من علاقة بحاضر البلاد ومستقبلها الثقافي والاجتماعي في آن واحد. ولعل ذلك كان من الدواعي التي دعت إلى إنشاء «المجلس الأعلى للتربية الوطنية» هذا المجلس الذي شاركت فيه عدا عن الشخصيات الرسمية، شخصيات أخرى وطنية تستطيع بما لها من خبرة وسعة إطلاع أن تدلي بآراء ونظريات من شانها أن تساعد على إيجاد الحلول الناجعة لهذا المشكل الوطني العويص.
إذن لا ينكر أحد منا ما تعانيه الثقافة القومية في المغرب من مصاعب جاءت نتيجة لنظام الإدارة السابق، وما كان يرمي إليه هذا النظام من طمس لمعالمنا الذاتية وإبقاء للمؤسسات التعليمية الدينية على ما هو عليه من جمود، ومن إنشاء مدارس سماها بالعصرية كان التعليم يلقن فيها بلغة أجنبية لا تمت إلى البيئة المغربية بصلة. وإزاء هذا النقيض رأت المؤسسات الوطنية ضرورة إنشاء مدارس حرة مكيفة تكيفا مكانيا وزمانيا مع الوسط المغربي الذي هو منبثق من الأرومة العربية ومنسجم تمام الانسجام مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. ولا ينكر أحد ما قدمه هذا التعليم الحر من أطيب الثمرات للمجتمع المغربي إذ كان يهيئ كل سنة أفواجا من الطلبة يتجه معظمهم إلى معاهد الشرق العربي التي تجاري في برامجها كل ما وصل إليه التطور العلمي في أوربا من درجة عالية وشأو كبير ..
جاء الاستقلال، وتنفس طلاب هذا التعليم الصعداء واعتقدوا أن العهد الجدي إنما هو انتصار لتعليمهم ولكفاحهم، وإذا بهم يصابون بخيبة أمل، المشرفون على التعليم الحر قلبوا له ظهر المجن ليتقلدوا مناصب سامية في الوزارات أو ليخوضوا غمار السياسة، والوزارة المعنية بالأمر حاولت في أول الأمر أن تتبناه فأنشأت له مصلحة خاصة به في الوزارة، ولكنها لم تلبث أن نفضت يدها منه لأسباب لا يعلمها أحد.
وهكذا تعددت أنواع الثقافة في المغرب، فألقيت هذا يشرق وذاك يغرب، فإذا سألت المغربين عن إمكانية التعريب اتهموا اللغة العربية بالقصور والجمود، واتهموا أهلها بالبلادة وضيق أفق التفكير؛ ولست أدري هل أن هذا الاعتقاد راسخ في أذهانهم لما سجلوه على العربية في المغرب من انحطاط، أو أنه جاء حفاظا على الوضع الراهن وما يرافق هذا الوضع من مصالح ذاتية ومنافع شخصية؟
لعل كلا العالمين يلعبان دورهما في تكوين مثل هذه الاعتقادات، إلا أنني أعطي الأغلبية لعامل الشعور بالمحافظة على الوضع الراهن، ذلك الشعور الذي يبدد معه كل شعور آخر بالنخوة العربية والشهامة الإسلامية، ولا ينتج عنه سوى تبرير المواقف والاستشهاد بالواقع الذي في الإمكان إصلاحه وتعديله. على سبيل المثال أذكر أنني ناقشت مرة أحد الزملاء الذين خضعوا في تكوينهم الثقافي وتربيتهم السياسية إلى تأثير البرامج الدراسية الأجنبية كان موضوع الحديث «الثقافة الملائمة لمغرب اليوم» وقد حصل الاتفاق في الهدف أي أن المواطن المغربي يجب أن يزود بثقافة من شأنها أن تضمن له المساهمة في بناء مجتمعه بكيفية فعالة، إلا أن اختلافا حصل في الوسيلة، أعني الأداة التي يجب استعمالها للتزود بالثقافة الصحيحة. قال صديقي: «لما كانت المعارف تنقسم في خطوطها الكبرى إلى علوم وآداب، ولما كانت اللغة العربية لا تصلح في الوقت الحاضر للعلوم، فالأفضل أن يلقن المواطن المغربي ثقافة