تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واسعة لعلوم العرب والعجم وفيه من علم الطبيعة والكيمياء (1) وعلم النفس وعلم الحياة (2) الشيء العجيب، وإن كان بالحيوان والأدب أمس وبدرس الحياة العربية أعلق، فإننا نراه يصور لنا حياة العرب في باديتهم تصويرا دقيقا ويصف حالتهم الاجتماعية وعقليتهم وأذواقهم من الكبير إلى الصغير ومن الجليل إلى الحقير من حروبهم إلى لعبهم من علومهم إلى مزاعمهم واعتقاداتهم وأوهامهم كزعمهم أن من علق عليه كعب أرنب لم تصبه عين وإن تعليق الحلي وخشخشة الخلاخل مما يفيق به السليم ويورد من أشعارهم الكثيرة الوافرة ما يسجل به تلك الأحوال والشؤون وتلك السجايا وتلك المزاعم، ومن الجدير بالالتفات أنك تجد كتابه هذا مادة قيمة لدرس الأمم في طور نشأتها وفجر تمدنها وبرزخ تطورها، وكما يجيد شرح حياة العرب وهم بين الشيح والقيصور يحدرون الإبل ويحترشون الضباب كذلك يحسن تصويرها بأسلوبه الرصين وإنشائه المتين وهم ملوك على الأسرة يتقلبون على طنافس الديباج ويتفيهقون بأراضي الخصب والرخاء، ويتمتعون بالفالوذج والجنيص، ويمعنون في نخوة الملك وبهائه، يذكر لنا أن جعفر بن سليمان أحضر على مادته بالبصرة يوم زاره الرشيد، ألبان الظباء وزبدها ولياها فاستطاب الرشيد جميع طعومها وسأل عن ذلك لما أخذته نشوة السرور فغمر جعفر بعض الغلمان فأطلق عن الظباء ومعها خشافانها حتى مرت تجاه عبن الرشيد ويحدثنا عن أمير المومنين المنصور أنه اجتمع لديه من الفيلة ما لم يجتمع لأحد من ملوك الإسلام ولاشك أن هذا مما قلدوا فيه ملوك العجم كان عند بعضهم ألف فيل تسجد لخروجه وكملك الصين الذي كتب لمعاوية وفي عنوانه من ملك الصين الذي على مربطه ألف فيل، كما نستفيد منه ما كان بين والمنافرة كاحتقار العرب للموالي وللفرس، والعجم للأنباط، يذكر لنا أن جران العود قرى ضيفه ضبابا فعيره ابن عم له يقول:

وتطعم ضيفك الجوعان ضبا وتأكل دونه تمرا بزيد

وكان ابن عمه هذا يغمز في نسبه فهجاه جران بقوله:

فلولا أن أصلك فارسي لما عبت الضباب ومن قراها

وهذه النبوة كانت في كثرة من العرب في العصر الأموي (3) وكان لها أثرها السيء وعاقبتها الوخيمة فبسببها كان خروج القراء مع ابن الأشعت (4) وبسببها نشأت الشعوبية وبسببها دكت أركان الدولة الموية وكان الحجاج ممن ينفذ هذه السياسة المبنة على الفرق العنصري المخالفة لروح الدين بعنف وقسوة (5)، وقد صدر مثل هذه الجفوة والنبوة من دولة الترك في جنب العرب (6) وكان لها أثرها السيء.

(1) السيكولوجيا.

(2) من عجيب ما فيه من علم الحياة قوله ج 5 (الإنسان يحيى ويعيش حيث تحيا النار وتعيش) وقد حاول علماء الحياة (البيولوجيا) تقريب الحياة بالنار وتشبيهها بها واختلج بأفكار احتمال أن تكون معناها وكلامهم في ذلك معلوم ..

(3) من المشهورين بها عقيل بن غفلة الجهني وكان جافيا ومن أخبار جفائه ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 1 ص 440 نقلا عن ابن قتيبة قال: خطب هشام بن اسماعيل المخزومي والي المدينة خال الخليفة هشام بن عبد الملك الذي قال فيه الفرزدق بيته المشهور:

وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه

خطب إلى عقيل بن غفلة ابنته فرده وقال:

رددت صحفية القرشي لما أبت أعراقه إلا احمرارا

يريد أن فيه شبها للعجم وعرقا منهم فلم يزوجه لذلك وكان هشام أبيض أشقر فهو مظنة أن يكون أعجمي الأصل والعرب تسمي العجمي أحمر انظر كتاب الكامل للمبرد.

(4) انظر الكامل لابن الأثير.

(5) انظر الكامل للمبرد وحال المنقوشين.

(6) الكلام فيها شهير ومن أفيده ما عند الزياني المؤرخ المغربي في الروضة السليمانية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٨٠