دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 40
المدخل إلى كتاب الحيوان
للعلامة المرحوم محمد السايح
إن في التعارف بين الشعوب واقتباس كل من الآخر لنتائج غريبة وفوائد قيمة فإن لكل شعب خصائصه ومواهبه وتفكيره، وبالاتصال بين الشعوب وفتح الأجواء بينها يتسع أفق التفكير ويتشكل بأنواع من الكيف غريبة كما أن ابتعاد كل شعب عن الآخر وانكماشه في زاويته من رقعة الأرض مما يسبب ركود الأفكار وسئامة المعتاد، ووقوف تيار التجديد المنشط، وقد رأينا أثر الاتصال بين الشرق والغرب في عصرنا الحاضر وما أنتج من نوابغ وما هذب من أفكار وما ثقف من شباب وما أبرز من آراء انفتح بها أمامنا مجال واسع في المعرفة والإطلاع على أسرار الكون. ولقد فعل ناموس الامتزاج فعله في دولة العرب وفي عهد اتصالها بشعوب الأرض فاستمدوا من معارفهم وأفكارهم ما رتقت به حضارتهم إلى ذلك الامتزاج بعلمه الغزير وآرائه الموفورة نبصر فيها ما كان في ذلك العهد من معلومات وآراء ومواهب وإن من أقربها متناولا كتاب الحيوان فلذا كانت غايتي من هذه الكتابة الموجزة الكشف عما فيه من علوم كبرنامج لها أو كتوقيف على مواضعها لمن يحاول درسها دراسة واسعة والاستزادة منها والله الموفق سبحانه.
الوسط الذي نشأ فيه الجاحظ واستمد منه معارفه وتأثر به تفكيره
الجاحظ نشأ بالبصرة في العهد الذي بلغت فيه الحضارة العربية أوجها أو زخر فيه بحر العلم والحضارة بالعراق مهد الدولة العباسية بما انحدر إليه من روافد علوم الشعوب المختلفة وحضارتها المتنوعة في العهد الذي نقلت فيه إلى العرب علوم اليونان والفرس والهند وغيرهم من الشعوب التي دخلت تحت لوائهم ودانت بحكمهم، في العهد الذي امتزجت فيه شعوب الأرض المختلفة من عرب وفرس وسريان وغيرهم وتلاقحت معارفهم فأنتجت كل غريب واكتسى التفكير العربي حلة مزركشة تنطلق منها أشعة غريبة وزاد الجاحظ على ذلك بنشأته بالبصرة قبة الإسلام كما كان يسميها عمر ومحط رحال أهل الشرق والغرب من مجاهل الصين إلى مفاوز الصحراء الكبرى، بلدة جاشت بمختلف الآراء كما جمعت بين مختلف العناصر وانسجمت فيها الحضارة والبداوة وكما قال فيها الخليل بن أحمد:
زر وادي القصر نعم القصر والوادي
تربه السفن والظلمات حاضرة
في منزل حاضر إن شئت أو باد
والضب والنون والملاح والحادي
ولذلك نرى الجاحظ وقد اضطلع بمعارف واسعة واطلع على مذاهب متنوعة ودرس ذلك المجتمع الأفيح فئات منه بكل غريب وأفاده ذلك دهاء وحنكة في التفكير وبسطة في العلم والنظر الصحيح وشنف أسماعنا بأخبار العرب والعجم ومختلف المذاهب والنحل والذواق والعقليات فيقول مثلا عن الفرس أنهم أهل نفخ وتزيد وعصبية فيما يزيد في أقدار الأكاسرة وأنهم يحبون الأمن ويكرهون الورد لأن الورد لا يدوم والأمن يدوم، ويدرس دراسة عميقة ويحدثنا عن آراء أهل الهند فيه ويخبرنا عن ديانة الفرس وعن شيع المذاهب المختلفة.
وكتابه الحيوان وإن كان ألفه برسم الحيوان ووضع عليه عنوانه فهو في الحقيقة كتاب الحيوان وكتاب الأدب وكتاب اللغة وكتاب الشعر وكتاب أخبار العرب وبعبارة صادقة كتاب علوم شتى ودائرة معارف