الناس كالناس والأيام واحدة والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا
عود إلى الحديث عن الجاحظ
إن تدقيق الجاحظ في النظر وتطويفه في الآفاق أكسبه التفاتا إلى الشؤون خاصة في الحياة وإلى أحوال اجتماعية دقيقة وإلى نفسيات غريبة ككون الإنسان إذا أزعج الفرار فر من شق الشمال وإذا قطعت يده لم يجد العدو، وكان ذلك من توهم السقوط وعدم وجود ما يتقي به، في أمور كثيرة تذكي شعورنا وتحركنا إلى الانتباه إلى شؤون علم النفس والاجتماع البشري يقول إن الفارسي إذا تطرف تساكت والنبطي إذا تطرف أكثر الكلام والرجل إذا ضرب بحضرة الأكفاء والأصدقاء والأعداء صبر بخلاف ما إذا ضرب في خلوة وإن الجبن يرى الجبان أن عدوه على رجليه أنجى من الركوب وليس في الأرض إنسان إلا هو يطرب من صوت نفسه ويعتريه الغلط في شعره وف يولده وترى في كتابه الشيء الكثير من سيكولوجية الحيوان ولا سيما في مباحث الديك والكلب والحمام، كل ذلك نستفيده من غضون العالم بعضه ببعض وإن تمام الحكمة في اجتماعه وأفاض القول في ذلك الجزء الأول في الرد على من عاب المفاضلة بين الديك والكلب ومن كلماته الذهبية به قوله: (فلا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل (7) وللأمور حكمان حكم ظاهر للحواس وحكم باطن للعقل والعقل هو الحجة) كما نرى منه عمقا في التفكير ودقة وفي النظر ولاشك أن ذلك نتيجة ما درسه من الفلسفة وما أرض فكره عليه من علوم عصره العقلية ولاسيما ما تلقاه عن أستاذنا أبي إسحاق النظام الذي هو عمدته في علم الكلام وقد قال (لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم ولولا مكان المعتزلة، لهلكت العوام من جميع النحل فإن لم أقل ولولا أصحبا ابراهيم وابراهيم لهلكت العوام من المعتزلة فإني أقول أنه قد نهج لهم سبلا وفته لهم أمورا واختص لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة وشملتهم بها النعمة زيادة على ثقافته الفارسية التي حذقها من كتب ابن المقفع وغيره زيادة على مخالطته لكثير من الطوائف واتصاله بجميع الطبقات ودراسة أحوالهم ومعايشتهم دراسة الخبير النافذ البصيرة، كما يدربنا على تمحيص الأخبار وحكها على محك النقد ويقرر لنا أن التقريب غير الموجب ومن ثم قال ابن العميد: (إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا) فنراه يمحص الأخبار تمحيصا ويعرضها على محك العقل المألوف وكثيرا ما يورد الخبر الذي يعتقده مورد الشك والتبري من تبعته ومن غريب زهوة انه كثيرا ما يورد كلام صاحب الحيوان أو صاحب المنطق وهو أرسطو الحكيم اليوناني الشهير ويمزج نقده بشيء من التنديد والاستعباد وأرسطو هو أكبر وإن تفكيره أعمق ولما حكى كلامه في الخلق المركب المتلاقح بين نوعين قال: (وما يليق بمثله أن يخلد على نفسه في الكتب شهادات لا يحققها الامتحان ولا يعرف صدقها أشباهه من العلماء) وربما اعتذر عنه بغلط الناقل. ولا نستغرب هذه الظاهرة في دولة العرب التي كان تطورها فوق نواميس الكون فإن أمة نضج فيها مثل الجاحظ تفكيرا وتصنيفا ونقدا العلوم ونشأة التصنيف إلا زمن يسير مما يقضي بالدهشة ويحمل مثل الجاحظ على أن يندد بأعظم حكماء اليونان، وإني أرى أن الجاحظ أول من كتب في نقد الأخبار وتمحيصها في دولة العرب ثم جاء بعده بعصور الداهية ابن خلدون الذي وفي هذا الموضوع حقه من الدراسة في مقدمته التي لم يؤلف في دولة الإسلام مثلها.
(يتبع ... )
(7) في هذا الكلام التفات إلى الخلاف المعروف بين الفلاسفة في قضية المعرفة هل أساسها العقل والحواس؟.