وتركية وفارسية وبربرية كاتبا حولها شارحا ما تحتويه تراكيبها من علم وفن وجمال، وليس في استطاعة أي مثقف أن يخرق هذا المسلك الوعر ويسلك مناهجه الشائكة دون أن يتوفر على مبادئ اللغة ويحذق مراميها تركيبا وذوقا ولو في إلمام قريب بمد لولات الألفاظ العلمية والاصطلاحية، في هذا الظرف الحاسم يرمي به ولوعه الخاص وقد ساعدته مذاهبه الخاصة إلى خوض غمار اللسان الغريب مستعذبا مشاق البحث الثقيلة في سبيل الوصول إلى غريب العلوم والفنون بواسطة اللغة، وليس هذا ببدع فإن الجهود الصادقة لا تكذب -فكم حصل المترجم في بحوثه من فنون- في الرياضة والجغرافية، وعلوم البحر والملاحة وحساب عروضه وأطواله وتقدير عقده، ومعرفة رياحه -غير واقف عند حد فهم ذلك وإدراك أسراره بل توفق في نفس الحال لتسجيل منتوجاته والتحرير حولها ابتغاء الشيوع وعموم النفع- طابع خالد عرف به التادلي منذ ما يقرب من سبعين سنة، ومما يزيد المستطلع على حياته تقدير شخصيته النادرة تلك الظاهرة الفنية التي جددها علماء الاستشراق أو تواطأ المترجم في معالمها مع بعض خبرائهم في الشرق والغرب الذين كانوا يتجردون للبحث ولو في التافه في نظر القاصر فهم كلما آدتهم خاتمة المطاف لحلول قطر من القطار إلا وخالطوا أبناءه عادة ولغة محللين كل ما يبدو غريبا عن مألوفهم بعيدا عن متناولهم، مقارنين ماله صلة بمتعارفهم ومحيط بيئاتهم فلا تمضي على الباحث أيام وأيام حتى بطلع على أمته بمجلد حافل بالمشاهدات والملاحظات يدهش لها المواطن الغافل مغرقا في الغرابة في حياء أمام إنتاج الأجنبي في ترابه ناعيا على نفسه جهلها بخيرات بلاده ومكنوناتها الغالية.
فعلى هذه الطريقة كانت بحوث أبي إسحاق واتجاهاته في رحلاته وتنقلاته يسجل في مذكراته ما يلفت نظره ويهز لوعته نحو الفن وجماله.
فهو شيخ الرباط والمجدد للقرن لا يبرح التوفيق حليفه في الكتب والتحرير خصوصا في جد العلوم ومفيد العموم -فنجده يكتب على (مزهر السيوطي) في علوم اللغة وفقهها، وهو ما هو اعتصاء وقوة فيحل مغلقاته، ويحلل مشكلاته بقلم سلس وتعبير سهل ما شئت في التذييل من أمثال وشواهد للبيان والإكمال يفتحان في وجه القارئ مغلق كل عويص يعترضه في تلقي اللسان العربي الذي كان خريج الثقافة يعجز عن حل ما اكتنز في مسالك فصوله، واختبأ بين أبوابه وسطوره مضيفا إلى ذلك عنايته الخاصة بمعجم الفيومي ومصباحه المنير موضحا ما أشكل، مستدركا ما فات واغفل -بحواشي قيمة ليتها حفظت وإلى جيلنا المتعطش قدمت.
ثم ليس الغريب مجرد الكتب على هذه المصنفات بل الغريب المدهش الإقدام على الخوض في ذلك وهو لا يتصور إلا من قدير عركته المعرفة وعركها وتجاذبا الأردن، وتراكضا الأفراس في الميدان -مظاهر غريبة امتاز المترجم بها عن معاصريه في العلوم والفنون والكتب عليها بما يزيح الستار عن مدفون فلزها المكنون ليصور لنا في ذات الوقت شخصية السيوطي ثاني مرة متقمصة في شخصه العالم فإذا كان السيوطي دائرة معارف القرن العاشر فشيخ الرباط التادلي معلمة هذا القرن ومجدده- بل آيته الكبرى في عصر النهضة الحسنية فقد بلغت تآليفه ما ينيف على المائة وعشرين تأليفا ضاع جلها ضحية الإهمال إلا بقية نثرت هنا وهناك -تلوح إلى بعضها: حواشي على المكودي غير مخرجة، وحواشي على تصريح الأزهري غير مخرجة وشرح على التسهيل والكافية لابن مالك وشرح على فريدة السيوطي لم يتم ورسالة في علم الاشتقاق وشرحها لم يكمل، وحواشي على المحلى، وأخرى على البيضاوي، وحاشية على الخرشي، وحواشي على المذاهب، وحواشي على الجلالين وأخرى على رسالة ابن أبي زيد، وحواشي على ملتقى الأبحر في فقه الحنفية، وحواشي على نظم الزبير لابن وسلان في فقه الشافعية، وشرح الكرة في علم التوقيت، وشرح الإسطرلاب، ورسالة في استخراج المواقيت- بحساب الجيب، وحاشية عن ابن الشاطر في علم التعديل، ورسالة في علم البحر (زينة النحر في علوم البحر) ورسالة في الموسيقى (أغاني السقا في علم الموسيقى) أسفرت عما كان عليه التادلي في دراسة الفن للفن لا سيما مارق منه كالموسيقى التي كان المجموع يزدريها ومتعاطيها معا جهلا بمضامين جمالها وما تنطوي عليه في عالم الرقة وتليين الشعور بل وشفاء الأدواء والأسقام بما جدده العلم الحديث اليوم وأصبحنا نرى له المعاهد والمدارس مفتوحة ف يوجه عشاقه حتى كان ما حبس عليه من طرف إسلامنا للطب النفساني والعلاج العقلي لم يكن في يوم من الأيام تجري نغماته وألحانه في قاعات المارستانات بفاس وغيره.
وكان شيخه في الموسيقى هو الأستاذ حدو بن جلون الفاسي كما صرح به في ترجمة نفسه بقلمه، ولا أطيل بسرد باقي التحريرات والمصنفات، وقد أدرك