تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 37

شخصيات مغربية: أبو إسحاق التادلي الرباطي

للأستاذ: عبد الله الجراري

أبو إسحاق التادلي هذه الشخصية تعد في طليعة الشخصيات العالمية اجتهادا وإطلاعا -فهو العلم النادر، والآية الكبرى في المضمار الثقافي، والحقل العلمي -فبعدما تغذت أفكاره بالمبادئ الصحيحة وتقعد في أسسها الهامة- عن رجال مصره -رباط الفتح- عاصمة المملكة المغربية طمحت نفسه الوثابة لإشباع نهمه العلمي تحقيقا لقول الرسول الأكرم صلوات الله عليه: (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا) فشد الرحلة إلى عاصمة العلم فاس الفيحاء ولازم أساتذتها طوال خمس عشرة سنة درس فيها كل ما كان يروج في أبهاء جامعتها الخالدة من علوم في الأصول والفروع، والمنقول والمعقول، والرقائق والفنون، ثم منها إلى مكناس حيث أزال ما علا بعض مقروئه من غموض والتباس.

وهكذا يرى الرجل كلما تقدمت به المعرفة إلا وتجددت مطامحه، وتضاعفت لذاته، فخطأ خطوات نحو الشرق العربي في تكرار رغبة في إرواء غلته، وإنماء معارفه آخذا عن أفذاذه الذين كان العصر ضانا بخلق نظائرهم في غير بقاع الوحي والهداية التي كانت إرجاؤها تعج بعباقرة المعرفة على اختلاف أشكالها وأفانين ألوانها.

فعقب ما حصل الفقه أصولا وفروعا، وغدا مصدرا هاما من مصادر المذهب -تشوفت علميته الحرة لدراسة فقه باقي المذاهب غير قانع بمعرفة مذهبه المالكي الذي كان يعد الاقتصار عليه قصورا من رجال الثقافة- لهذه الظاهرة الغالية لم يقف جهوده الجبارة راضيا بمدارك مذهبه، واختلاف دراسيه رأيا ومذهبا بل حلق في أجواء باقي اختصاصات المذاهب إشرافا على الغابة التي يصبو إليها الأئمة في فهم نصوص الكتاب والسنة وتطبيقها على ما جد من حوادث وطرأ من نوازل، وهدف كل في وجهته التي أفرغ وسعه فيها رغبة في تحصيل علم أو ظن أثناء بحوثه.

ونجده في حال أخرى يدرس التفسير على أخصائيين من رجال الشرق تطلعا منه إلى الطريقة التي يسلكها المفسرون وفي تناول الآية الكريمة، وتحليل مفرداتها، ومعرفة ما تحمله فقراتها من معان قصد التوصل إلى إدراك المدلول الكلي للفاصلة القرآنية وما يجلب للبيان والإيضاح من نفس الكتاب أو السنة، ثم ما ينتج عن ذلك من استنباط واستفادة يلهمهما فقهاء النفس وأحرار التفكير الذين يستخدمون العلم مطبقين كلياته الأساسية لاستكمال لذة المعرفة، صادقين عن ترك القضايا جامدة خمة في الأذهان.

فأي قيمة يا ترى لقواعد العلوم يصرف الطالب في أخذها حقبا ليست بالقصيرة يضعها في زاوية الإهمال قانعا بمعرفتها معرفة سطحية غير عاملة.

فالمترجم التادلي في مراحل حياته العلمية يعد في الرعيل السابق لميدان الكفاح الثقافي الصحيح فلا تلفيه إلا واثبا وثبات نادرة لا يلوي فيها على غير الدراسة -من المغرب إلى الشرق ثم منه إلى أوربا يبحث علومها- ولغاتها فهو إذ حل باسبانيا طفق لوقته يشتغل بأخذ اللغات الأجنبية من فرنسية وانجليزية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٧٦