لأبي مروان هي من رسالة صاحبنا هذه فقد ترجح بذلك أن ليس هناك إلا رسالة واحدة في الموضوع وإنها من إنشاء ابن عبد الله لا غير.
وسيرى القارئ لهذه الرسالة إن كاتبها أفحش فيها غاية الأفحاش وتنال المرابطين بالقدح في دولتهم والطعن في أصلهم، فجعلهم من بقايا بني الأصفر وهم -كما علم- ينتسبون في صنهاجة إلى حمير -ثم عيره بالجبن والبداوة واللؤم، وجعل دخولهم للأندلس نكبة ووبالا عليها، وإنها بحاجة إلى التطهير منهم، ولم يدع سبة ولا كلمة تنال من كرامتهم تصريحا أو تلويحا إلا رماهم بها، كأنه كان يهتبل هذه الفرصة لعبر عن حقد دفين عليهم، ومع ذلك يقال أنه بم يحظ عندهم ولم ينل ما يستحقه من العطف والتقدير، فالعجب كيف سلم بجلده بعد هذه الفعلة الشنعاء واقتصار أمير المومنين مع ذلك على إعفائه من الكتابة عنه لهو في نظرنا مغربة الأخبار في الحلم والسماحة والصفح فلو صدر بعض ما في هذه الرسالة من الذم والهجاء من أحد كتاب الأندلس أو شعرائها في أحد ملوك الطوائف الذين يقال أنهم كانوا يبرون الأدباء ويكرمونهم ويوفون لهم حقهم، لما كان جزؤه إلا القتل، لا إن يستعفي ويذهب لحال سبيله فيأوي إلى بيته خائفا يترقب على ما قيل؟ ..
ومما يؤكد أن صاحبنا كان ناقما على القوم لسبب ما، وربما كان هو خيبته السياسية كما قدمنا، أن توفي مغتالا في فتنة ابن حمدين الذي أراد أن يغتنم فرصة انحلال الدولة المرابطة فدعا لنفسه في قرطبة ولم يتم له أمر بدخول الموحدين إليها وقضائهم عليه وعلى رؤوس الفتنة جميعا، فهل شارك هو أيضا في هذه الفتنة بما أوجب اغتياله؟ ....
وبعد فهذا نص رسالته رحمه الله وعفا عنه، وكنا نود أن نشرحها بما سيوضح معناها للعموم فرأينا ذلك يطول وحبذا لو وقع ضبطها بالحركات في الطبع على ما ضبطناها في الخط فذلك مما يعين القارئ المتوسط على فهم أغراضها البعيدة المرمى، ولاشك أن أمير المسلمين أدرك جميع معانيها الخفية حتى تأثر بها وسرح كاتبها من خدمته، وهذا وحده مما يكفينا للدلالة على ما كان عند الأمراء المرابطين من ثقافة عربية متينة:
(من أمير المومنين وناصر الدين أما بعد يا فرقة خبثت سرائرها، وانفكثت مرائرها، وطائفة انتفخ سحرها، وغاض على حين مده بجرها، فقد آن للنعم أن تفارقكم، وللأقدام أن تطأ مفارقكم، حين ركبتموها جلواء عارية، وأصبحتم في أدراع عارها أمثالا سواسية، اختلط المرعى منكم بالهمل، فما يتميز إلا نقص من الأكمل، فطأطأتم لها رؤوس عشائركم، وقضيتم بالفسولة على سائركم، لا جرم أن قد صرتم سم الندى، والأحاديث الملقنة بالغداة والعشي، بما خامركم من الجبن والخور، واستهواكم من لقاء عدوكم بالجانب الأزور، لا تواجهونهم طرفة عين، ولا تعاطونهم حمة حين، بل تعطونهم الضمة هنيا مريا، وتتخذونهم وراءكم ظهريا، والرماح نحوكم لم تشرع، والخيل لم تسرع، والنفوس في حياض المنية لم تركع فإنكم ثلة ذئابهم، وفريسة أنيابهم، قد نقهوا في بوسكم، وناهضوكم بلبوسكم وحاربوكم عاما على أثر عام، وحتى ألزقوكم بالرغام، وتركوكم أسلح من حباري وأشرد من نعام، فالآن حين ملأتم أيديهم متاعا، وواديهم سلاحا وكراعا، قد غزوكم ف يعقركم، وإذا قوكم وبال أمركم، فلذتم بالجدران، وبؤتم بالندامة والخسران يا بقايا بني الأصفر، وسجايا ذوات الذل والخفر، أكرهتم زحافهم، وكنتم -علم الله- أضعافهم، إني لكم بالمعذرة وأين، وقد فرض الله الواحد منكم بالاثنين، فقال إن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، هذا وكلمتكم العليا، وحلوبتكم الحياة الدنيا. ما شئتم من صارم وطرق ونحض وركائب وسوام، ونضائد وخيام، فيا أسفا للحق يدمغه الباطل، والحالي يبهره العاطل، لا بالحنيفية تحزرتم، ولا إلى الحفيظة والإنابة تحيزتم، ليت شعري بماذا تقلدتموها هندية، واعتلفتموها سمهرية خطية، وركبتموها جردا سوابق، وملكتموها مغارب ومشارق، ثاوين في غير عدادكم، منترين على أضدادكم، يؤدون الإتاوة إليكم، حين أشرقتموهم بالهوان، وأنتم فيهم غرباء الوجه واليد واللسان، وصيروكم عبيد العصي، وليسو بالأكثر منكم حصا (4) بل شرذمة قليل نفعها، كثير نجعها فيا
(4) بالأصل: ولستم بالأكثرين منهم حصا، والتصحيح من الطرة، لكن إن ناسب المعنى الذي قبله فليس يناسب الذي بعده، والعبارة على كل حال مقتبسة من قول الشاعر:
ولست بالأكثر منه حصا * وإنما العزة للكاثر