تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زوجته وأبنائه ومن هم تحت ولايته من أخوة وأقارب وخدم حتى يؤدوا واجباتهم الدينية في مطلع حياتهم، فتنطبع نفوسهم على القيام بالواجب في الكبر وقديما قيل يشيب المرء على ما شب عليه، فإذا ظهر أمام من هم تحت ولايته بمظهر الصلاح والرشاد وادي الشعائر الدينية خير تأدية، ولم يصدر عنه أمامهم ما يخل بالتعاليم الإسلامية كالكذب والغش والغيبة والنميمة والأثرة التي تدفعه إلى حب نفسه وأهله وجلب النفع لهم ولو على حساب الغير، وأفشى بينهم حب الخير والنفع للمسلمين، ولقنهم أن الإنسان لا يعيش لدنياه فقط بل هناك آفاق أعلى من الواقع الأرضي يجب أن يعمل الإنسان للوصول إليها، إذا قام بذر نواة صالحة في المجتمع يصلح المجتمع بصلاحها بشرط أن يلاقي الإنسان في الأوساط الخارجة عن منزله انحرافا وزيغا عما اعتاده ممن رباه بالمنزل.

وفي هذا الميدان أشرك الرسول المرأة التي هي العمدة في تربية رجال الأمة في هذه المهمة الشاقة واعتبرها مسؤولة عن بيتها في التدبير المنزلي وللتربية الدينية للأبناء فيجب أن تكون تصرفاتها وأعمالها ملائمة للروح الدينية حتى إذا خرج أبناؤها إلى المجتمع وجدوا أنفسهم مشبعين بروح الإسلام، فسهل على المدارس التي يقصدها الأطفال تنشئتهم نشأة دينية، وبهذا يقع تجاوب بين المدارس والمنازل.

ثم إن نفس المسؤولة التي يتحملها الزوجان في المنزل، يتحملها أولياء الأمور من الإمام إلى مقدم الحي خارج المنزل، فهم مسؤولون عن تصرفات الناس وسلوكهم لا في المحاكم فحسب بل حتى في السير الاجتماعي والسلوك المدني، وبذاك يعم التعاون وينتشر الإخاء ويسود الرخاء والهناء.

ويزيد الحديث بعدما يخصص مسؤولية الإمام أمام رعيته ومسؤولية الابن والخادم في مال أبيه وسيده ومسؤولية المرأة في مال زوجها، والمال بمعنى المتمول الذي له قيمة -أقول يزيد الحديث كلكم مسؤول عن رعيته ليبين أنه يدخل حتى في تجارة الأجانب وصنائعهم، فالإنسان مسؤول عمن تحته من عمال وأجراء وخدم وغيرهم، فلو كان رب المعمل والمصنع أو المتجر أو غيرها مشبعا بروح لإسلام لما أمكن التخاذل في شأن هذه القوانين: فليشعر أمين الحرفة أهل حرفته بواجباتهم، وهو مسؤول إذا لم تطابق أعمالهم تعاليم الإسلام، وليبين لهم أن الربح الذي يجب أن يسعوا لاكتسابه ليس هو كنز الدراهم والدنانير بل محبة الزبناء والنصح لهم، وليشعر رب المعمل عملاء وصنعاء، بواجبهم الديني وليهيئ لهم الجو الصالح لذلك وليقنعهم أن الائتمان وعدم الغش هو الذي يوفر لهم السعادة والهناء وليتنازل أرباب المصانع والمعامل فلا يستأثرون بالأرباح الطائلة ليسود المعمل أو المصنع جو من الأخوة والمحبة، وبذلك يقبل المواطنون على صناعاتهم فتزدهر البلاد وينعم الناس وتطمئن النفوس.

وعلى الأساتذة والمعلمين أن يجعلوا من أبنائهم الروحيين مؤمنين مشبعين بالتعاليم السماوية وعليهم كل المعول في تكوين نشء مسلم بكل ما تحمله الكلمة من معنى فيبثون بدورهم روح الإسلام ويحاربون الخرافات والخزعبيلات ويحررون العقول من غشاوة الجهل والضلال.

ومما يدخل في تهيئ الأجواء الصالحة بناء المساجد في كل الأسواق وداخل المعامل والمصانع وإلزام المواطنين بتوقيف العمال أوقات الصلاة وإقامة الشعائر الدينية وتعهد الناس بالوعظ والإرشاد بالنسبة لأحكام أعمالهم وأشغالهم.

نعم إذا كانت حكومات الدول الإسلامية تتحمل قسطا من المسؤولية لتكوين مجتمع إسلامي فإن الشعب من جهته يتحمل كذلك قسطه الوافر فالحكومات الإسلامية لا تنشئ النشء على الإسلام كما يلزم في نظرنا وذلك بعدم تقرير الدراسات الدينية في كل المدارس وفي كل الفصول على اختلاف اتجاهاتها ومناهجها وبعدم تكليف الطلبة في الفصول العالية بالبحوث الإسلامية وجعلها مادة أساسية يتبارى فيها أذهان الطلاب، أليس التبحر في القوانين الإلهية وتناولها بالبحث والدرس في امتحانات الليسانس وشهادات الحقوق وشهادة كليات التشريع أجدى وأنفع من تشتيت الذهن بالنسبة لهؤلاء في مختلف القوانين الوضعية الأجنبية عن الإسلام والمسلمين؟ -أما الشعب فيتحمل مسؤوليته بعدم مراقبة دراسة أبنائه وتسييرها حسبما يفرضه الدين إذ ينشأ الأطفال في المدارس ويقضون بها السنين من غير أن يعرف الآباء فلدينا مفكرون وعلماء لا يقيمون وزنا لمثل هذه الأمور ولا يستنكرون أن أبناءهم لا يدرسون الدين الإسلامي ولا تاريخ الإسلام كما يتحمل الشعب مسؤوليته بعدم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٥٧