تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويهيب بهم إلى التماس النفع للجميع وإلى دفع قوى الشر والفساد ومحاربة العدوان والطغيان.

أليس يفرض بطريقة لا هوادة فيها القيام بالخير لصالح الجميع حين يأمر بقوله جلت حكمته: ويطول الحديث في إقناع الذين يخافون على الحركة القومية أن تتردى فيما آلت إليه القوميات الأوربية أو انطلقت منه من عصبية ضيقة، واستعلاء أممي، إلا أن ما أوردته كافيا إقناع ذوي النيات الحسنة. «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هو المفلحون» إن الآية تنادي بتكليف الأمة الإسلامية جمعاء بما فيه صلاح الأمة جمعاء لا يتفشى في الأمة تملص من هذا الواجب المقدس إلا أصابتهم نتيجة التواكل وحلت بهم عاقبة التملص من المسؤولية - إنها أشعار للأمة بمسؤوليتها التي يجب أن تتحملها في كل أطوار حياتها:

الدعوة إلى الخير: كل ما هو من أفراد الخير الشامل العام وكأن الله فسره بقوله ويأمرون بالمعروف: كل ما تعارف الناس عليه أنه خير ومصلحة: توفير الصحة للجميع صحة الأبدان بإطعام الطعام وحفظها من الآفات وصحة العقول بإخراجها من ظلمات الأمية والجهل والغفلة، وتوفير التمتع للجميع وتوفير الاستقرار في العقل والثبات في الناس والسمو في الروح والهدوء في الضمير -النهي عن المنكر كل ما تنكره النفوس وتجنح عنه العقول: المرض، الجهل، الفقر، الاضطراب، الحيرة هون النفس، الغطرسة، الكبرياء، الحقد إلى غير ذلك مما لا تستسيغه نفوس أبية شريفة.

وقد حصر الله الفلاح في حق أولئك الأشخاص الذين يقومون بهذا التكليف العسير، وأعظم بفلاح يقصره الرب سبحانه على أشخاص يقومون بواجب مقدس، إنه تكليف ليس بالهين ولا باليسير سيما وهو يصطدم بشهوات الناس ونزواتهم وضمنهم الجبار المتكبر والحاكم المتسلط والأناني المستأثر والمطبوع على الشر المتمرد لكنه مع ذلك تكليف محبب إلى النفس المومنة بالله التي لا تعتز إلا به ولا تخشى إلا إياه.

ويكاد الإجماع ينعقد على أن هذا الفرض كفاية متى انتدبت له طائفة من بين الأمة حسبما يشعر به تعبير «منكم» سقط الطلب عن الباقين مع أننا لو تدبرنا في التهديد الوارد في حق تاركه والوعيد المترتب عن التواكل في أمره لما استطعنا أن نقطع بأنه فرض كفاية لنتأمل قوله (ص) وهو يؤكد ما فرضه القرآن ويوضح ما عناه الفرقان وينص على العقاب الذي يصيب المتهاونين به: «والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض» بل لنمعن النظر إلى التكليف العام الذي لا يفلت أحدا والذي يجعل كل فرد على حدة مسؤولا في قوله ص «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته- الحديث».

ألسنا نرى أنه يبدأ بتعميم يقتضي تعين الفرض على كل أحد ويختتم بتعميم أيضا حتى إذا ما عقل الإنسان وكبر ولم يجد بجانبه من هو تحت مسؤوليته فهو مسؤول على الأقل على رعاية نفسه وتهذيبها وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر أليس ذلك معنيا بالجهاد الأكبر في قوله ص «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الكبر»؟ فكيف تفعل الطائفة التي تملصت بحجة قيام الغير بواجب الدعوة إلى الخير؟

ومن المعلوم أن المسؤولية تكون أمام من هو أعلى من المسؤول، فأمام من يسأل كل فرد من المذكورين في الحديث؟

لكي نعرف الجواب أن نتذكر أن الإسلام لا يجعل واسطة بين الشخص وربه، فاله الواحد المختار هو الذي شرع، وهو الذي سأل، ولا يسأل إنسان أمام أحد سوى اتلله المشرع جلت قدرته ولا يتحاسب الإنسان إلا مع ضميره الذي لا يطلع عليه أحد سوى الله، فالعلاج يجب أن يبدأ أولا بتهذيب النفوس وتصفيتها وجعلها مستعدة لتحمل مسؤوليتها أمام ربها، ثم يجب أن تزال العقبات من وجهها ويفسح لها المجال حتى تؤدي واجبها ممن غير تهاون ولا تواكل، وأخطر العقبات التي يجب أن تزيلها من طريق الشخص الذي نريده على اتباع أحكام الإسلام المغريات والمهيجات التي تدفع بالإنسان غلى الانسياق مع الهوى -والأفلام الخليعة أكبر معول لهدم الروح الإسلامية من الإنسان-.

فإذا أحيط الشخص بسياج من مكارم الخلاق وهيئت نفسه لإتباع أحكام الشرع في مختلف أطوار حياته أمكنه أن يكون مسلما متبعا لأحكامه.

وأعداء الإنسان في مختلف مراحل حياته هو ما عالجه حديث كلكم راع حيث أشعر كل مسلم بمسؤوليته أولا ثم فصل ميادين المسؤوليات: فأشار إلى أن المدرسة الأولى للطفل تتحمل اكبر قسط من المسؤولية إشعار طفلها بمسؤوليته عن طريق القيام بما يفرضه الدين أولا والسير حسب تعاليمه وثانيا بتلقينه المبادئ الأولية التي تنير طريق الإسلام أمامه: فليسهر رب المنزل على

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٥٦