أي نفس أمام قانون موحد ومسطرة موحدة لا فضل لأحد على آخر ولا مراعاة فيه لفرد دون آخر وأعظم بقانون يرفع نفس الإنسان إلى ربها فيخاطبها من غير وسيط ولا ترجمان ويكلفها بأن تراقب نفسها وتراعي ربها في أعمالها الدينية والدنيوية كما يربأ بالإنسان أن ينساق مع الهوى أو يتسرب إليه الخيال فيدعوه إلى الحياة الكريمة ويتعهده بتعبدات ترفع نفسه عن الرذائل وتسمو به إلى الحضرة الإلهية مع إجابته لرغباته وأهوائه المادية في التمتع بدنياه في حدود الفضيلة والمصلحة العامة وعدم الإضرار بالغير «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين».
وبناء على ما ذكر فهل هذا القانون لم يحقق مصالح الناس وأهدافهم في الحياة حتى حادوا عنه وجعلوه وراء ظهورهم؟ أو وجدوا قانونا يضمن لهم ما هو أحسن وأجدى فاتبعوه وتركوا القاصر؟ كلا وألف كلا ذلك أن من فكر في حالتنا الاجتماعية وأمعن النظر فيما عليه بعضنا من بؤس وضلال وحيرة واضطراب فإنه يرجع سبب ذلك إلى عدم الأخذ بطريقة تهدينا سواء السبيل وتقينا شر البؤس وحيرة الضلال وخلق الاضطراب وتحقق لنا أهدافنا ومصالحنا القريبة والبعيدة وليست الطريقة التي تضمن لنا كل هذه المحاسن إلا طريقة اتباع أحكام الإسلام وتعاليم الشرع ومبادئ الدين الحنيف وسوف لا يرفض هذه الفكرة إلا من جهل قيمة هذه التعاليم ومقدار ما تؤديه من نفع وخير لا لمن يتدين بها فحسب بل حتى لمن يعايشه ويساكنه، إذ مبادئ الإسلام تسالم كل الناس، وتحرم الظلم والعدوان بالنسبة لكل الناس ولا تحارب إلا من حارب المسلمين أو اعتدى على حق من حقوقهم المادية أو المعنوية، غير أن بعض الناس نبذوا هذه القوانين لأسباب استعمارية أولا ولكون الذين أثرت فيهم هذه الأسباب لم يتشبعوا بروحها ولم يروا بها أرواح من هم تحت ولا يتهم. ثانيا: فضاعت أحكام الإسلام واستعيض عنها بقوانين استعمارية تحقق مصالح المستعمرين على حساب من فرطوا في قوانينهم السماوية وها هو شبح الاستعمار قد زال وترك ظله ممتدا على خصوص النفوس القلقة الحائرة التي عميت عنها سبا الرشاد وأخطأت طريق الفلاح فخيمت عليها الحيرة وفقدت الثقة والاطمئنان. فما هي السبيل لعلاج المشكل؟ وكيف نتحرر من هذه الحالة التي أصبحنا نئن تحت وطأتها؟.
ينحصر العلاج في الرجوع إلى التعاليم الإسلامية والمبادئ المحمدية، غير أن الدعوة للرجوع إلى الإسلام كثيرا ما أثيرت في المحافل والمجالس، وكثيرا مات نودي بها من فوق منابر المساجد والجوامع، ومع ذلك لا نجد بعض الناس إلا متمادين فيما هم عليه، فملا بال هذه الدعوة لا تجد آذانا صاغية؟ وما شأنها لا تحتل محلا في القلوب؟ الجواب هو أن الدعوة للرجوع إلى الإسلام تستلزم توطئات وتمهيدات وتقتضي إزالة للعقبات وتهيأ للنفوس التي تتقبله، فالمبادئ قائمة والأحكام موجودة، والنظم ثابتة وصدق الله العظيم «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، وعليه فيجب تمهيد السبيل بنشر أحكامه وتعاليمه، كما أتى بها محمد ص بين سائر الناس وفي جميع المحلات، ويجب أن تنظم محاضرات دينية تلقى في محافل مختلفة ومجالس منوعة وأندية متعددة يحضرها الناس على اختلاف مشاربهم وثقافتهم واتجاهاتهم، بأساليب شيقة تجلب إليها النفوس وحجج دامغة تثبت صلاحية حكم الإسلام لكل زمان ومكان ومرونته للسير مع كل المقتضيات العصرية مع التصدي لهدم كل ما ألصق بالإسلام من الخرافات والخزعبيلات التي ينسبها له أشخاص غير مشبعين بروح الإسلام، وليتبع في ذلك الكتاب العزيز والسنة النبوية الطاهرة كما يمهد له بطرق المواضيع الاجتماعية التي من شأنها أن ترغب إليه الناس وتشربهم حبه: كمسألة التعاون والتكافل الاجتماعي، وحق الفرد العاجز على مواطنيه ومطالبة الجماعة بتوفير الحياة الكريمة لكل الناس، وتشجيع العملة على العمل الجدي المتقن، وبيان القيمة التي يعطيها الإسلام للمحترف والعامل، ومسألة تأسيس المنظمات الخيرية التي هي مظهر من مظاهر الأخوة في الإسلام إلى غير ذلك من الأنظمة الاجتماعية التي تتمشدق بتأسيسها المذاهب السياسية الحديثة والتي تحقق مصالح واضعيها على حساب الطبقة الشعبية.
وبجانب المزايا التي يضمنها الإسلام للمسلمين إذا هم اتبعوا أحكامه وقوانينه نشعر المواطنين بالواجبات التي عليهم نحو أنفسهم وإخوانهم المسلمين إذ الإسلام يجعل الحقوق بجانب الوجبات حتى يعم الرخاء والهناء والعيشة الكريمة بنفس سامية وروح معلقة بالملكوت الأعلى، وكيف لا يضمن الحياة الكريمة والاستقرار المكين وهو يرفع هاماتهم وأبصارهم إلى ما هو أعلى وأسمى من الحياة الأرضية