دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 15
كيف نكون مجتمعا إسلاميا؟
للأستاذ: محمد المريني
من المسائل المسلمة أن القوانين -أرضية أو سماوية لا يظهر أثرها إلا إذا سهر على تطبيقها أشخاص اقتنعوا بصلاحية أحكامها التي تميز الخبيث من الطيب وتظهر الصالح من الطالح فيتمتع بها أقوام، ويردع بها آخرون، ويطمئن عليها أولوا العزم والحكمة، ويهاب سلطانها ذوو النفوس المريضة. ذلك أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يخلق الناس وقد اختلفت نفوسهم وعقولهم، فمن مسالم لأخيه الإنسان يسعى لما فيه خيره وخير أخيه، ويعمل لما فيه صلاحه وصلاح بني جنسه، ويرفع من مستوى نفسه ومستوى رفيقه في الحياة، ومشاكس طبعت نفسه على الشر يسعى لما فيه الشر له ولأخيه، ويسهم بشيوع الفساد بينه وبين جنسه، وينزل بمستوى حياته وحياة رفقائه إلى مرتبة أحط من مرتبة الحيوان العجم، فكان لزاما والحالة هذه أن تسن قوانين وتختط أحكام يتحاكم الناس إليه إذا ما دعا بينهم داعي النزاع، وغرقوا في بحر من اللجاج والخصام لتفل شوكة الخصان وترد الحق إلى نصابه والعدل إلى مكانته.
وقد ظهرت القوانين أولا في شكل عادات وأعراف اصطلح الناس عليها، وتطئوا على اعتبارها أسسا لحياتهم لا يحيدون عنها، واعتبروا أن السير على منهاجها والتحاكم إليها هو المثل المنشود في الحياة، ثم تطورت في الاسم والشكل وأصبحت تحمل اسم قانون ومسطرة على ما يفترض في وجودها -ومنذ وجود الإنسان ورسل الله إلى البشر تترى بقوانين إلهية، وأحكام سماوية تصلح ما أعوج من الأعراف والعادات وتهذب ما توطأ عليه الناس من القوانين والأحكام لما عرف من زيغ الناس في أعرافهم وعاداتهم، وانحراف الأقوام في قوانينهم في أعرافهم وعاداتهم، وانحراف الأقوام في قوانينهم وأحكامهم، وقد كلف الله النبيئين والمرسلين بالسهر على تلك القوانين والسعي لتطبيقها بين البشر حتى يعم عدل اله وتتم كلمته في الأرض التي هي عبارة عن أمن يسود بين كافة البشر وسلام ينتشر بين المخلوقات وأخوة صادقة تربط بين بني الإنسان في سائر الميادين.
غير أن القوانين التي بعث بها الرسل ارتكزت على أساس استمدت منه وجودها وتحتم على متبعيها أن يبتدئوا منه إلا وهو الانقياد التام والاستسلام المطلق لقوة قاهرة مدبرة حكيمة تعرف مصالح الناس وتعلم حق العلم الوسائل لإخلائهم وتواددهم.
وديننا الإسلامي لم ينبثق في اسمه ومعناه إلا عن هذا الأساس، وبذلك كون وحدة متماسكة الأطراف بينه وبين سائر الأديان التي جاءت بها الرسل فلتتدبر قوله تعالى: «وما أرسلنا من قلبك من رسول إلا يوحى غليه أنه لا إلاه إلا أنا فاعبدون» ولنفكر في القرآن وهو يحكي عن النبي نوح: «وأمرت أن أكون من المسلمين» ولننظر قوله تعالى في حق رسوله ابراهيم: «ولقد اصطفيناه في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمينسلمت أ»، ولنتأمل النبي يوسف وهو يتضرع إلى ربه قائلا «أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين» ولنمعن النظر في خطاب موسى لقومه بقوله: «يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين» ولنتبصر لما ورد في القرآن عن عيسى وقد أجابه حواريوه «نحن أنصارا لله آمنا بالله وأشهد بانا مسلمون» -وإنما أجمعت الأديان على الابتداء بطاعة الله عز لأن النفوس الأبية لا تستسيغ قانونا وضعه فرد أو جماعة ولا تنفذ أحكاما شرعها أشخاص يمكن أن تظن بهم الظنون فيسيروا مع هواهم، ويراعوا مصلحتهم على حساب مصلحة الغير، فكان الرجوع المشترك إلى قوة مدبرة باعثا على الاطمئنان إلى القانون ومصدرا للإذعان إليه، فلا تجد نفس اشمئزازا وهي ترجع إلى قوة يرجع إليها الجميع، وتتصرف في حكم الجميع وتسن القوانين لمصلحة الجميع، ولا تهون