تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 12

الدين ومذهب التحطيم

للأستاذ: أحمد عبد الغفور عطار

نطلع من حين لآخر -بواسطة رصيفاتنا من المجلات الثقافية العالمية- على مواضيع ذات قيمة كبرى تتفق في اتجاهها مع الرسالة الروحية والأدبية السامية التي تؤديها هذه المجلة لقرائها الكرام، وتتم ما نحرص على تقديمه لهم من نتاج رفيع.

ومن بين هذه المواضيع نقدم -نقلا عن مجلة «الوعي» - هذا المقال الهام لأخ لنا ممن الباكستان الشقيقة الذي يطرق فيه موضوعا حيا يمس جانبا أساسيا من جوانب حياة المسلمين خاصة والبشر عامة، جانب الصراع بين الدين واللادينية: بين الروح والمادة ...

دعوة الحق

أثر الدين في النفس الإنسانية أقوى الآثار وأبعدها نفاذا، وهو لا يقف على منطق العقل وحده، بل لعل منطق العقل يأتي متأخرا، لن منطق الوجدان يسبقه، ولن شيئا قبل ذلك يمهد لأثر الدين في النفس تمهيدا، ذلك هو الشعور بما وراء الحس، والإنسان بطبيعته متهيئ لقبول أشياء كثيرة تتصل بالغيب أو الخيال أو العالم غير الواقعي، فهو لا يربط حياته ربطا محكما بكل ما هو محسوس، لأن فيه روحا ينزع به إلى الخلود، والخلود مأمل الإنسان.

إن كل ما يحيط به من المادة يفنى، وقد يفنى على يده أشياء لا يحصيها منها الحيوان، ومنها النبات، ومنها الجماد، ولعل بين من أفناه الإنسان مثله.

وهو متهيئ وجدانا إلى ما يشعره بالطمأنينة على عالم الغيب، بل أحسب أن الإنسان منذ خلق ومعه غريزة التدين، بل أعتقد أن غريزة التدين غريزة أصلية فيه من الغرائز الأمهات والأصول وعلم النفس لا ينكر وجود هذه الغريزة، ولكنه جعل القياد كله لغرائز أخرى والعصر الحديث الذي نعيش فيه أضعف من سلطان غريزة التدين وخنق صوتها، وأطلق العنان للغرائز الأخرى، فجرت في الحلبة حتى سبقت غيرها سبقا.

وغريزة الدين في الإنسان هي كغريزة الجوع، والإنسان لا يستطيع الحياة إلا بها، لأنها تمده بالراحة النفسية كلما استأسدت الأزمات وتهجمت له، وكلما شعر بالكرب ألقى بنفسه في أحضان الدين حيث يجد الطمأنينة والأمن وبرد السلام والعدل وكل ما تنبعث منه الراحة التي يفتقدها في العلوم جميعا.

والإنسان مستعد بفطرته للدين وهو ليس ضرورة اجتماعية فحسب بل هو الضرورة التي لا تستقيم الحياة إلا بها، وليس في وسعي تصور عالم من غير دين، حتى المجتمع الشيوعي الذي أنشأه المركسيون على إنكار الدين ووجود الله والأنبياء والمرسلين لم يخل من متدينين يقومون بواجبهم الديني في صمت وخفاء، بل نجد هذا المجتمع غير الإنساني قد استبدل بالدين العلم رغبة في السيادة وتهديد الإنسانية.

أنه أحل العقيدة العلمية محل العقيدة الدينية، فوقع فيما هو واقع فيه من الاضطراب والجور والقلق والتأخر، وفقد المثل والقيم ومقومات الأخلاق، ويزعم أقطاب الشيوعية أنهم ما يزالون في «دور» التجربة، إذا ما أخذ عليهم ما هم فيه من التأخر والتخلف عن الأمم المتقدمة في جميع شؤون الحياة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٥١