تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن المسلمين وحماية الثغور ما صدق بهم الظنون وأثلج الصدور وأقر العيون، فزاد حب الأندلس لهم، واشتد خوف ملوك الروم منهم، ويوسف بن تاشفين في ذلك كله يمدهم في كل ساعة بالجيوش بعد الجيوش والخيل أثر الخيل، ويقول في كل مجلس من مجالسه: إنما كان غرضنا من ملك هذه الجزيرة أن نستنقذها من أيدي الروم، لما رأينا استيلائهم على أكثرها وغفلة ملوكهم وإهمالهم للغزو وتواكلهم وتخاذلهم وإيثارهم الراحة، وإنما همة احدهم كأس يشربها وفينة تسمعه ولهو يقطع به أيامه، ولأن عشت لأعيدن جميع البلاد التي ملكها الروم ف يطول هذه الفتنة إلى المسلمين، ولأملانها عليهم (يعني الروم) خيلا ورجالا لا عهد لهم بالدعة ولا علم عندهم برخاء العيش، وإنما همة أحدهم فرس يروضهن ويستفرهه أو سلاح يستجيده أو صريخ يلبي دعوته. في أمثال لهذا القول فيبلغ ذلك ملوك النصارى فيزداد فرقهم، ويقوى مما بأيدي المسلمين بل مما في أيديهم بأسهم. وحين ملك يوسف أمير المسلمين جزيرة الأندلس وإطاعته بأسرها ولم يختلف عليه شيء منها عد من يومئذ في جملة الملوك، واستحق اسم السلطة، وتسمى هو وأصحابه بالمرابطين، وصار هو وابنه معدودين في أكابر الملوك، ونفس هذه الروح العسكرية كانت لعبد المومن مؤسس دولة الموحدين بالمغرب، يحكي لنا عبد الواحد المراكشي ذلك حيث يقول: وكان عبد المومن في نفسه سري الهمة، نزيه النفس، شديد الملوكية لا يرضى إلا بمعالي الأمور، أخبرني الفقيه المتفنن أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي جعفر الوزير عن أبيه عن جده الوزير أبي جعفر. قال: دخلت على عبد المومن وهو في بستان له، قد أينعت ثماره، وتفتحت أزهاره وتجاوبت على أغصانها أطيارهن وتكامل من كل جهة حسنه، وهو قاعد في قبة مشرفة على البستان، فسلمت وجلست، وجعلت أنظر يمنة وشامة، متعجبا مما أرى من حسن ذلك البستان، فقال لي يا أبا جعفر أراك كثير النظر إلى هذا البستان، فقلت يطيل الله بقاء أمير المومنين، والله أن هذا المنظر حسن فقال: يا أبا جعفر المنظر الحسن هذا؟ قلت نعم، فسكت عني، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة أمر بعرض العسكر آخذي أسلحتهم، وجلس في مكان مطل، وجعلت العساكر تمر عليه قبيلة بعد قبيلة، وكتيبة أثر كتيبة، لأتمر كتيبة إلا والتي بعدها أحسن منها جودة سلاح وفراهة خيل وظهور قوة، فلما رأى ذلك، التفت إلي وقال: يا أبا جعفر هذا هو المنظر الحسن، لأثمارك، وأشجارك، ولم يزل عبد المومن يطوي الممالك مملكة مملكة ويدوخ البلاد إلى أن دانت له البلاد وأطاعته العباد».

وهكذا كان الشأن في الشرق أيام صلاح الدين الذي استنقذ البلاد من الصليبيين وأيام الخلافة العثمانية وتوغلهم في تخوم أوربا، ولكن دار الزمان دورته، فرجحت في الوزن الدولي كفة أقوام وشالت كفة الآخرين، طبق ما نطق به الذكر الحكيم: وتلك الأيام نداولها بين الناس.

فالأمة الإسلامية كانت في مقدمة دول العالم في إبان تكونها، معتزة بنفسها، فخورة بدينها، لكن المسلمين المعاصرين غيروا ما بأنفسهم من العزمات، فتغيرت حالتهم، فقدوا الاتحاد والتعاون وأعجبوا بهذه الديموقراطية الغربية المهلهلة الفاشلة، ولكن قد بدأ رؤساء المسلمين يدركون ما ينبغي أن يكونوا عليه من تعاون مثمر صادق، وتوحيد في السياسات الداخلية والخارجية، واتخاذ المواقف المشتركة مع الدول الاستعمارية الظالمة، ومن التسلح بالعلم واقتناء العدة. فعليهم أن يتخذوا جامعة إسلامية تتوحد فيها سياستهم الاقتصادية والعسكرية والديبلوماسية والثقافية والتربوية في مواقف مشتركة موحدة أمام جميع دول العالم، ويكونون يدا واحدة على من ظلم أي عضو من أعضاء هذه الجامعة حتى يحس جميع المسلمين بالأخوة الإسلامية التامة الصادقة، ولا يكون المومن مومنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يخذله ويسلمه، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.

أبو عبد الله

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٥٠