تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما أدري متى ينتهي دور التجربة؟ ولكن الذي أدريه هو انه يكفي للدلالة على إخفاق مذهب أن يبقى أكثر من أربعين سنة في دور التجربة.

وما كان قط سادا مسد الدين، فنحن نرى ملايين الناس تقبل على الموت راضية في سبيل الدين، ولا نجد مثل ذلك في سبيل العلم.

وإنسان الغابة الذي لا فرق بينه وبين الحيوان لم يكن محروما من الدين لأنه الإنسان، فكان يلقي في الأحكام نوعا من إمداد غريزة بالغذاء الروحي، فهو يرى في منامه ألفا غائبا يزوره فيطمئن إلى وجوده ويشعر بالراحة، حتى إذا تقدمت به السنون وعرف عقله بعض وظائفه وصحا من منامه كان يرى الأحلام عالما سويا لا نهاية لحدوده، وهذا العالم العجيب يمده بما يتمنى ويشتهي.

يرى فيه ظالمه قد اقتض منه، فيشعر بالسعادة والعدل، ويرى غائبه حاضر فيسر، ويرى ميته قد نشر وبعث فيحس بالراحة، عند الإنسان كما يقول بعض الفلاسفة، وهو وإن كان صحيحا بالنسبة لمن لا يؤمنون بالدين إلا أن في وسعنا أن نعتبره من القرائن التي تقرب إلى الدين فكرة الثواب والعقاب وفكرة البعث والنشور.

وقد ذكر الدهلي في كتابه (حجة الله البالغة) الأحلام واستدل بها على حقيقة الثواب والعقاب بعد الموت وعذاب القبر استدلالا يؤيده الدين ولا يأباه المنطق.

ونخلص من هذا إلى أن الإنسان في حاجة إلى الدين أكثر من حاجته إلى العلم، ولنقرب إلى بعض القراء، أثر الدين نذر أن الإنسانية منذ عرفت الدين وعرفت العلم لم تجد أمة بأسرها تتسابق إلى الموت والاستشهاد من أجل العلم، أما الشهداء من أجل الدين فملايين، إما أن يموت عالم في مختبره فلا يعد استشهادا، لأنه قتل نتيجة غلطة في مختبره أو خطأ في تجربته، أو قال بنظرية علمية رآها زمنه خروجا على الدين فقتله، والعالم القتيل لا يرضى بالقتل إذا كان له حق الاختيار، أما في سبيل الدين فيستقبل الموت راضيا سعيدا، فالقتل -هنا- نقله إلى دار النعيم، وهو حريص أن يهجر الشقاء إلى السعادة.

ولست أدري كيف يتعامل الناس إذا فقدوا الدين أو قذفوا به بعيدا عن مجتمعهم الذي يعيشون فيه؟ لا أتصور إنسانا يحيا بلا دين -أي دين كان- والإنسان في لحظة من اللحظات يبعد عن الدين وقد ينكره، ولكن يعود إليه نادما مستغفرا عندما تزول أسباب البعد وبواعث الإنكار كما يزول أثر الجوع بعد الشبع. وإذا صح هذا في حياة الفرد فهو يصح في حياة الأفراد مجتمعين.

إلا أن البعد عن الدين ورحابه المقدسة لا يلازم الإنسان حتى ينمحي أثر الدين كل الأمحاء، بل يجوز أن تطول الفترة وتقصر، ثم إذا صفت النفس تشرق منها شمس الدين لتبدد ظلام الإنكار أو غير الشك والارتياب.

كذلك المجتمع اللاديني، قد يطول الزمن الذي يبتعد فيه عن الدين أو يشتد فيه إنكاره إياه وهجومه عليه وعلى معتنقيه ولكنه عائد إليه مهما طال به الزمن.

والفرق بين مجتمعين آليين ماديين أحدهما بدين وآخر لا يدين، هو أن المجتمع اللاديني المتفخم آليا يتخذ سلاحه للعدوان لأنه لا دين يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر -كالمجتمع الشيوعي- أما المجتمع المتدين فإنه يتخذ سلاحه للدفاع.

ولست أقصد من هذا أن المجتمع المتدين لا يشهر سلاحه للعدوان، بل هو يشهره اعتداء، ولكنه يسوغ عدوانه، فيستحيل عملا يراد منه الدفاع عن العقيدة أو الإنسانية ودفع الأذى عن الإنسان.

ولقد ابتلى عصرنا بمذهب ينكر الدين -كل دين- وليس هو يبدع بين العصور التي سبقته، فلم يخل كل عصر من دعاة مذهب الهدم، فقامت من المسلمين أنفسهم فرقة مع الشيوعية في التحطيم إلا وهي (الباطنية) ولكن الفرق بين عصرنا والعصور التي سبقته أن قوى الهدم الشيوعية استشرت وصارت لها دولة ذات كيان، وهي -بعد- اتخذت كل وسائل الخداع للتسلسل والتدمير.

ومع كل هذا فإن الإنسانية لن تصبح يوما من الأيام ضد الدين، بل اتجاه الإنسانية إلى محاربة اللادينية حتى من أصدقائها، سواء العاطفون عليها أو السائرون في فلكها أو المتظاهرون ببغضها أو حبها نفاقا ورياء أو جرا لمغنم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٥٢