رسول الله (ص) أن أحبه قال ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه؟ فأقول سليم فيقول مالي ولسليم ثم تمر القبيلة فيقول مالي ولمزينة حتى نفذت القبائل ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها فإذا أخبرته بهم قال مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله (ص) في كتيبته الخضراء قال ابن هشام وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها قال ابن إسحاق فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال أي أبو سفيان سبحان الله يا عباس من هؤلاء قال: قلت هذا رسول الله (ص) في المهاجرين والأنصار، قال ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل (كنية العباس) لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال قلت يا أبا سفيان إنها النبوة، قال (نعم إذن) فهذا اعتراف خطير من قائد حربي محنك هو أبو سفيان القائد العام للمشركين في معركة أحد، وفي غزوة الأحزاب، إلا أنا مع هذا كله نقول أن الباحث في انتشار الإسلام في الجزيرة العربية يكاد يجزم بأن الإسلام انتشر بطريق السلم فيها، لأن الغزوات التي حضرها رسول الله سبع وعشرون غزوة قاتل ف يتسع منها وهي غزوات: بدر وأحد والخندق وقريظة والمسطلق وخيبر والفتح وخنيس والطائف. وغزوة بدر التي لها أهمية كبرى في انتصار الإسلام لم يبلغ القتلى فيها من الجانبين مائة قتيل، كما أن معركة أحد التي ابتلى فيها المسلمون واستشهد فيها عدد من المومنين كذلك لم تبلغ القتلى مائة قتيل بين الجانبين.
أما غزوة الفتح فقد قتل فيها أفراد فقط في مناوشة صغيرة، حتى أن العلماء اختلفوا هل فتحت مكة عنوة أم لا؟ وهذا القدر من القتلى قليل بالنسبة لأمة كثيرة العدد، وهذا ما يبين صحة قول النبي صلى الله عليه وسلم ونصر «بالرعب مسيرة شهر» وذل تأييد من الله، كما قال سبحانه: هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين وآلف بين قلوبهم.
ثم بعد الفتح المبين تتابعت وفود القبائل إلى رسول الله تدخل ف يدين الله بدون حرب ولا قتال، فسميت تلك السنة سنة الوفود، وأنزل الله على نبيه سورة من القرآن تنبئ بانتهاء مهمته من الرسالة، وهي قوله سبحانه: «إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا». وقد قال ابن عباس لعمر بمحضر جلة من ا لصحابة هو أجل رسول الله أعلمه به. وقد قال عليه السلام في شأن ظهور طائفة منصورة غالبة من أمته: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وقال عليه السلام (المومن القوي خير وأحب على الله من المومن الضعيف وفي كل خير ... ) وقد فاه المنافقون في عهد الرسول بما يفهم منه أنهم أعزة وأن الرسول لم يكن في زعمهم بهذه الصفة فرد الله عليهم زعمهم بعدما حكى قولهم. «يقولون لأن رجعنا على المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمومنين». فالرسول والمومنون هم العزة الذين يمكنهم إخراج المنافقين الذين هم الأذلة حقيقة، كما هددتهم الآية الكريمة حيث قال الله: «لأن لم ينتبه المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجعون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا».
فما كان مستوى هذه القوة الإسلامية التي نوهنا بمظاهرها هذا التنويه بالنسبة للأمم التي عاصرتها؟ والجواب على هذا السؤال يتبين بعملياتها العسكرية مع الدول المعاصرة لها.
لقد كانت دولتا الفرس والروم هما الدولتان اللتان تتنازعان السيادة في العالم القديم بجانب الأمة العربية الفتية، لهما العدة الحربية الكافية والعدد الوافر من الجيوش المقاتلة فحارتهما هذه الدولة العربية جميعا، وصرعتها جميعا، وفرضت وجودها ولغتها ودينها وبسطت سيطرتها على أقوام هرقل وكسرى في أيام وجيزة، وهذا يرينا المستوى العالي الذي كانت تتمتع به قوة الأمة الإسلامية بالنسبة لغيرها من الدول.
وقد ورث مغربنا العظيم هذه الروح الفياضة بمعاني البطولة والرغبة في الاستشهاد يقول عبد الواحد المراكشي في شأن إنقاذ يوسف ابن تاشفين وأصحابه للأندلس بعد ان كاد ملوك الطوائف المتخاذلين يسلمونها للأعداء بما فيهم المعتمد بن عباد (قال: لم يزل أصحاب يوسف ابن تاشفين يطوون تلك الممالك مملكة مملكة إلى أن دانت لهم الجزيرة بأجمعها، فاظهروا في أول أمرهم من النكاية في العدو والدفاع